كتاب وأراء

الكتاب ذلك المظلوم

حاولت تقريب التراث إلى أبناء الجيل الجديد من خلال إعادة كتابة كتابي «البخلاء» للجاحظ و«رسالة الغفران» للمعري بلغة جديدة، وفوجئت مؤخراً بمثقف يسألني تعليقاً على محاولتي «وهل قرأ أحد؟» وكان هذا ضمن حوار لمست فيه يأسه من أي محاولة لتقديم الثقافة للناس، ومع ذلك فإن في سـؤاله الاسـتنكاري كثـيراً من الوجاهـة، نظراً لما يعانيـه الكتـاب في هـذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر.
احتفل العالم مؤخراً بيوم الكتاب العالمي في 23 أبريل، وعندما قررت اليونسـكو عام 1995 اعـتماد هـذا التاريخ يوماً عالميا للكتاب لم تخطئ، فهو ذكرى وفـاة واحد من أعظم كتاب العالم (سـرفانتس) الذي ذاع صيته ككاتب مسرحي وروائي وشـاعـر إسـباني وصادف أنه تاريخ وفاة أعظم شاعر مسـرحي وليم شـكسـبير. تصوروا أننا أردنا الاحتفال بيوم للكتاب العربي، كيف كنا سنتفق على تاريخ محدد؟
إن أهمية أي عمل إنتاجي تنبع من الحاجة القصوى إليه، وبما أن التدوين مصدر حفظ الابتكار والاستنتاج، فلا محالة من أن يكون للكتاب دوره الرئيسي في أداء تلك المهمة لأي مشروع مبتكر، وتخيلوا أن القدماء لم يدونوا أفكارهم وآراءهم واكتشافاتهم وإبداعاتهم، كنا سنبدأ دائماً من الصفر. وتخيلوا أن المبدعين العرب لم يدونوا الإبداع العربي شعراً ونثراً وفلسفة وحكماً وغيرها، كنا سنصير شجرة بلا جذور.
تقدر الإصدارات السـنوية في العالم العربي بحوالي 30 ألف عـنوان، ولا يزيد عـدد كتب الثقافة العامة منها على 5 آلاف عنوان، بالمقارنة مع 102000 كتاب في أميركا الشمالية، و42000 كتاب في أميركا اللاتينية والكاريبي. تؤكد المعايير الدولية أنه يفترض أن يكون لكل 6 آلاف نسـمة من السـكان مكتبة عامة، بـينما نجد أن لكل 71 ألف نسـمة من السـكان العرب مكتبة عامة واحدة. يصدر كتاب واحد لكل 12 ألف مواطن عربي، مقابل كتاب لكل 500 بريطاني، وكتاب لكل 900 مواطن ألماني. لا تتجاوز مداولات سـوق الكتاب العربي بيعاً وشراء 4 ملايين دولار سـنوياً. (عدد السـكان 350 مليوناً) بينـما بلغت مبيعات الكتب في بريطانيا عام 2016م 1.6 مليار جنيه استرليني 2 مليار دولار (عدد السكان 66).
يقرأ العربي بمعدل 6 دقائق سـنوياً، ويقرأ الأوروبي بمعدل 200 سـاعة سـنوياً، ويقرأ كل 80 عـربياً كتاباً واحداً في السـنة، ويقرأ المواطن الأوروبي نحو 35 كتاباً في السنة، والمواطن الإسرائيلي 40 كتاباً.
سُئل الفيلسوف اليوناني أرسطو، كيف تحكم على إنسان ما؟ فأجاب: أسأله كم كتاباً قد قرأ؟ وماذا يقرأ؟ ومن هذا المنحى شاعت الجملة الشهيرة «قل لي ماذا تقرأ، أقل لك من أنت»..
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين