كتاب وأراء

اتساع الفضاء الرقابي العالمي.. آفاقه وآفاته

لم تنشأ دولة إلا ومعها أجهزتها الرقابية. ولم يتكون تجمع إقليمي أو يظهر بنيان دولي إلا وجعل الرقابة واحدة من وظائفه. داخل الدول توجد، وبدرجات مختلفة، رقابة مثلاً على الصحف والانترنت وحرية التعبير وتحرك المعارضين. كما توجد بدرجات أخرى من التفاوت رقابة على السلع والخدمات والأسعار والصحة والمدارس وصور أخرى عديدة لا تعد ولا تحصى حولت الدول إلى فضاء رقابي شاسع يتسع أحياناً في بعض الدول لينتهك حتى أبسط حقوق الفرد في الخصوصية، ويضيق أحياناً في دول أخرى ليقتصر على الرقابة في حدود ما استقر في القانون.
ولا عيب في الرقابة من حيث المبدأ لأن الحيز العام لو ترك بدونها لتحول إلى جحيم عام. فالرقابة ليست فقط رمزاً لسيادة الدولة وإنما ضرورة لمنع الشر ومحاربة الفساد وتوفير الأمن. لولاها لتكدست الشوارع بالمجرمين والإرهابيين والفاسدين. بفضلها سقطت عصابات واكتشفت شبكات تجسس وأحبطت أحداث مأساوية. لكن بسببها أيضاً تضيق السبل أحياناً وتُسد الأبواب ويضيق الحيز العام. وهنا يكمن الخطر. فعندما تتحول الرقابة من وظيفة تنظم الحيز العام إلى سلطة تحرم الناس من الوصول إليه إلا وتنفجر أزمات وتتطور مشاحنات تنتهي عادةً بفقدان الثقة بين الدولة المفترض أن تقوم بكفاءة وعدالة بالرقابة والمجتمع المفترض أن يتقبل باقتناع الضوابط الرقابية التي تنظم حركته.
وإذا كان التوسع في الرقابة داخل الدول ينتج حساسيات ومشكلات، فاتساع الفضاء الرقابي على مستوى العالم المتسم أصلاً بالفوضوية لا ينتج إلا مشكلات أكثر حدة وتعقيداً. هناك مثلاً في عالم اليوم منظمات مجتمع مدني عالمية نصبت نفسها رقيباً على حالة حقوق الإنسان في مختلف دول العالم. وهناك دول عديدة أباحت لنفسها كذلك الحق في رقابة بل وتغيير ما يجري في بلدان أخرى. تكونت نظماً دولية معقدة للرقابة وضعت دولاً بأكملها مثلاً إما تحت مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أو أخضعتها للمراقبة البيئية. ناهيك عن رقابة المهاجرين واللاجئين والمنتمين لثقافات بعينها. أصبح المسلمون مثلاً من بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 موضوعاً للتشديد والرقابة. لقد اتسع الفضاء الرقابي العالمي ولم يعد مستغرباً استحداث أشكالاً جديدة من الرقابة لن تزيد العلاقات بين الدول إلا توتراً وانفعالاً.
فقبل أيام قليلة مثلاً صوتت الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، والذي يضم 47 دولة، بأغلبية 113 عضواً مقابل 45 على وضع تركيا تحت المراقبة إلى أن تعود من جديد لتلتزم بالنهج الذي حدده الاتحاد الأوروبي لو شاءت أن تنضم إليه. وقد سبق لتركيا أن خضعت لتلك الرقابة حتى رفعت عنها في 2004 لكنها عادت لتفرض عليها بعد ثلاثة عشر عاماً. وبصرف النظر عن تقييم الحالة التركية، فإن الدول التي بدأت تدعو اليوم إلى وضع دول أخرى تحت المراقبة هي نفسها التي وضعت في القرن العشرين مناطق عديدة من العالم إما تحت الوصاية أو الانتداب.
لقد اتسعت أعمال الرقابة على المستويين الداخلي والدولي. لم يكن اتساعها إلا رد فعل طبيعي للتشابك الشديد الذي صاحب العولمة. فكل عملية سياسية لا بد وأن تنتج عملية سياسية مضادة لها تكافؤها في القوة أحياناً إن لم تكن تزيد عنها في أحيان أخرى. والعولمة عملية وعدت بتشبيك العالم وفتح الحدود وتعميم سلوكيات وقيم متشابهة ترتقي بالجماعات البشرية لتصبح أسرة إنسانية واحدة. لكن نفس هذه العملية هي أيضاً التي نشرت الإرهاب والفقر والهجرة واللاجئين وأتاحت فرصاً واسعة للتعبير عن آراء متطرفة باتت كلها أسبابا تدعو إلى التوسع في الفضاء الرقابي ومبررات تمنح فكرة الرقابة شرعيتها وحجتها.
لقد تمدد الفضاء الرقابي العالمي في كل مرة كان يتسع فيها الفضاء الرقمي والاقتصادي والسياسي والثقافي العالمي. فالدول قلقة والمجتمعات أكثر قلقاً. تريد الحرية لكنها تخشى توابعها. تكره الرقابة المفرطة لكنها تمضي في فرضها. حتى الديمقراطيات أصبحت توسع فضاءها الرقابي سواء على مواطنيها أو على القادمين إليها بل ولا تخجل من فرض رقابتها على أوطان بأكملها. وما بين الخوف من اتساع الرقابة والحاجة إليها يبحث العالم عن سياق ملائم يفرق بين الرقابة الجيدة والرقابة الرديئة. سياق يحدد آليات تسمح بالرقابة وتتيح في نفس الوقت مراقبة المراقبين حتى لا يتغولون بلا ضابط أو حسيب. وسوف تحدد عملية تشكيل الفضاء الرقابي العالمي صورة المستقبل، وهل يتجه إلى توسع غير محكوم للرقابة تنتهي بمزيد من التحديات والصراعات أم سيهتم بإعادة الرقابة إلى وظائفها الأصلية كآلية تنظم وتطمئن الناس على حياتهم. سؤال محير تتوقف إجابته على إدارة كافة الدول للفضاء الرقابي العالمي. وهي إلى الآن تظهر أن أكثرها يحب أن يُراقِب ولا يحب أن يُراقَب.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات