كتاب وأراء

الإعجاز الإلهي في دورة الهواء «1 - 2»

عندما يتأمل الإنسان في دورة الهواء لابد أن يشعر بالذهول من الدقة المتناهية التي تفوق قدرة البشر على إدراك سرها، ولابد أن يدرك المعنى في قوله سبحانه وتعالى «إنا كل شيء خلقناه بقدر» (القمر: الآية49). فالهواء الذي خلقه الله هو الحياة للإنسان والحيوان والنبات والإنسان لا يبقى حيا إذا لم يستنشق الهواء دقائق معدودة، ولهذا يمكن القول إن الهواء هو أغلى ما في الوجود لأن في وجوده يعيش الإنسان وإذا حرم منه تنتهي حياته ولهذا قضت حكمة الله أن يكون الهواء لكل الكائنات بلا ثمن ولا يقدر أحد على أن يملكه أو يتحكم فيه.
ورحلة الهواء في جسم الإنسان مذهلة، فالإنسان حين يستنشق الهواء يصل إلى الرئتين وينتقل إلى الشعب الهوائية وهي أنابيب دقيقة جدا، ويتخلص الجسم من ثاني أكسيد الكربون وبعض بخار الماء من الهواء ويبقي على الأوكسجين، ويسير الأوكسجين في الدم إلى أن يصل إلى القلب، والقلب تبلغ عدد نبضاته مائة ألف نبضة في اليوم الواحد، فيحمل الدم الأوكسجين إلى كل خلية من خلايا الجسم عن طريق كرات الدم الحمراء وعددها في المتوسط 25 تريليون كرة دموية، ويأخذ الدم بقايا الأملاح والسموم والأدوية ويذهب بها إلى الكبد والكلى للتخلص منها، ويذهب الدم إلى المخ والأمعاء والبنكرياس وبقية أعضاء الجسم ليوصل إليها الأوكسجين ويأخذ منها النفايات، أما ثاني أكسيد الكربون الذي يستنشقه الإنسان في الهواء فإنه يخرج في الزفير مع الكربون الذي ينتج عن حرق السكر، فيذهب ثاني أكسيد الكربون إلى النباتات لتعيش عليه، ويذهب الكربون في دورة معقدة، ويتحول إلى مواد مفيدة للإنسان، وعملية التبادل بين غاز الأوكسجين وغاز ثاني أكسيد الكربون في غاية الدقة بحيث لا يزيد أحدهما عن معدله، وكل منهما يتجمع ويزداد بحساب ومقدار «وكل شيء عنده بمقدار» الرعد: الآية 8، وعلى حد تعبير العالم الكبير الراحل الدكتور عبد المحسن صالح: «إنه هندسة رائعة، وتصميم فريد ذلك الذي جعل هذين الغازين يحتفظان بنسبتهما ثابتة في الهواء منذ مئات الملايين من السنين، يدور ثاني أكسيد الكربون في الهواء فيلتقطه النبات ويدخل في أوراقه وتكون لدورته في النبات دخولا وخروجا حدود مرسومة تناسب عمليات الحياة وعمليات البناء بلا زيادة أو نقصان لإنتاج السكر الذي سرعان ما يتحول إلى أحماض أمينية تتجمع وتكون البروتينات، وتسير تلك الصناعة العجيبة لتكون آلاف المواد على هيئة نشا في حبوب وبطاطس وغيرها كثير، وتكون مادة السليلوز الذي يدخل في صناعة الملابس، ويدخل مع مركبات اللجنين فيكون الخشب، ثم يتشكل السكر ويتنوع ليعطينا الفيتامين والدواء والحنظل والأصباغ والروائح الذكية والكريهة، كما يعطينا الألوان، والزيوت النباتية.. وغيرها وغيرها.. وهكذا خلق الله الطبيعة، فكل ما يزيد على حاجة كائن يحتاجه كائن آخر، والحياة أخذ وعطاء وليس هناك فاقد».
يتبع
بقلم : رجب البنا

رجب البنا