كتاب وأراء

أم القضايا في عالم اليوم.. الوحدة الوطنية

تتقدم الدول بوحدتها الوطنية وتتراجع كلما اهتزت أو تفككت. تلك إحدى عظات التاريخ منذ أن عرفت الإنسانية الدولة القومية كتعبير عن شعب وأرض وسيادة، وبرغم بساطة هذه العظة وسهولة إدراكها لمن توافر له الوعي الحقيقي لا المزيف، إلا أنها مسألة بالغة الصعوبة والتعقيد من حيث تفعيلها على أرض الواقع نظرا لارتباطها بعدد من المتطلبات التي يتعين توافرها وبحجم التدخلات الخارجية التي تهدد الأمن والاستقرار.
ولذلك فإن معيار النجاح أو الفشل في تحقيقها كرافعة للتقدم يتوقف على مدى ما يتحصل لتجربة وطنية ما من قدرة على توفير المتطلبات ودرء المخاطر الخارجية.
في اجتماعهم بالرياض حرص وزراء الداخلية والدفاع والخارجية الخليجيون على التأكيد بوجه خاص على أهمية الوحدة الوطنية لدى شعوب ودول مجلس التعاون الخليجي، وربما كان هناك عامل مهم استدعى الاهتمام الخاص بهذه القضية مقارنة بما كان في سابق الزمان، عامل يتعلق بزيادة حدة التهديدات الخارجية وتوسيع مجالاتها.. ولكي نضع أيدينا على المقصود بالوحدة الوطنية يمكن اللجوء إلى عدد من المؤشرات الدالة عليها. وأول هذه المؤشرات يتعلق بالتكامل القومي ويقصد به وحدة الأرض ووحدة الشعب مهما كانت العوائق الجغرافية أو التباينات في البناء الاجتماعي، وبتحقق الأمرين يمكن الحديث عن دولة قومية راسخة.. ذلك لا يعني إلغاء التنوع لأنه سنة الله في خلقه، فضلا عن كونه حقيقة اجتماعية قائمة على أرض الواقع، فقط يحتاج الناس إلى التراضي والتوافق على مبادئ معينة تسمح للجميع بالازدهار والاستقرار والأمن.
وثاني المؤشرات يتعلق بالانتماء أو الشعور بالتوحد مع هوية تشمل الجميع هي الوطن.
ويعد الانتماء أعلى صور التعبير عن الولاء لأنه ولاء إلى كيان يضم الجميع كفل لهم سبل الحياة الكريمة والأمن والاستقرار. فالمعروف أن الولاءات تتعدد بين أشكال مختلفة اجتماعية وثقافية وسياسية ولكنها تظل فردية أو جزئية، بينما الولاء للوطن هو أعلى صور الولاء أو هو الانتماء الحقيقي.
وثالث المؤشرات يتعلق بالشرعية أو السيادة حيث بها يكتمل عقد الدولة القومية أو الوطنية. فالهيمنة من جانب سلطة سياسية ما على جماعات من الأفراد يعيشون على أرض واحدة لا تتحقق إلا إذا قبلت هذه الجماعات بهذه السلطة. وكلما كانت الوحدة الوطنية قوية كلما اطمأنت السلطة السياسية التي حظيت على رضاها بأنها قادرة على القيام بمهام الدولة سلما وحربا والعكس صحيح.
هذا الدور المحوري للوحدة الوطنية في حياة الشعوب والدول لا يتحقق تلقائيا، بل يحتاج إلى متطلبات لا غنى عنها.
فمن الصحيح أن هناك واجبات يتعين على المواطن أن يقوم بها كلها يمكن أن تندرج في إطار ما يعرف بالمواطن الصالح، ولكن هناك شق أخر للموضوع حتى يمكن القول بتوافر الوحدة الوطنية، وهو المتعلق بالحقوق. فالوطن هو الكيان الذي يجد فيه المرء المسكن والملبس والطعام والأمن والقانون والتعبير عن الرأي والمشاركة السياسية، وإن لم يجد شيئا من ذلك أو نقصا في أي منها فإنه لا يشعر بالانتماء الوطني ويذهب إلى البحث عن بديل.
ومن جهة أخرى إن شعر المواطن بالاضطهاد أو التمييز بينه وبين غيره فإنه إما أن يتخلى عن وطنيته أو يشعر بوطنية منقوصة، وكثير من التهديدات الخارجية تأتى من خلال ذلك.
وأما بخصوص تأثير التدخل الخارجي الصريح فإنه أضحى حقيقة لا يمكن إنكارها في هذا الزمان لأسباب يطول شرحها، ولكن دون التقليل من خطورة ذلك، فإن المناعة الوطنية هي حائط الصد لأي تهديدات خارجية، وتتحقق هذه المناعة من خلال تعميق الوعي الوطني بالمكاشفة والصراحة والمصداقية في الوفاء بالوعود، والعمل على توفير متطلبات الوفاء بالحقوق الأساسية، وبانتهاج طريق الحوار والتوافق في مواجهة الأزمات الداخلية. فالوحدة الوطنية لا تتحقق بالمناشدات والبيانات أو التعبئة والحشد المعنوي بقدر ما تتحقق بتوفير متطلباتها، وتبقى هي الخيار الممكن والأفضل أيضا في مواجهة التهديدات الخارجية.

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد