كتاب وأراء

بين دورتين

حسن طارق
مقارنة بسنة 2002 عندما وصل، لأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة، إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، مرشح عن التيار اليميني المتطرف ممثلا في حزب الجبهة الوطنية، لم يكن سوى جون ماري لوبان- والد المرشحة الحالية مارين لوبان- في مواجهة المرشح جاك شيراك، فإن المناخ السياسي والانتخابي يبدو جد مختلف خلال اقتراع هذه السنة. أول مؤشرات هذا الاختلاف، تتعلق بحجم ردود الفعل السياسية التي رافقت صعود اليمين المتطرف، ذلك أن ما عرفه الرأي العام وعاشته الطبقة السياسية من صدمة مزلزلة خلال 2002، لا علاقة له بتاتا بطبيعة التلقي العمومي والسياسي لحدث مرور مارين لوبين للدور الثاني هذا العام. ذلك أن هذا المرور لم يحمل هذه المرة أي طابع للمفاجأة.
ثاني المؤشرات، تتعلق بأثر «العقد الجمهوري»- الذي يفرض أخلاقيا وسياسيا اصطفاف كل التيارات الجمهورية في اليمين والوسط واليسار لصد المرشحين الحاملين للقيم المنافية للجمهورية- ذلك أن الفترة الفاصلة بين الدورين خلال 2002 كانت قد عرفت دعم غالبية العائلات السياسية الفرنسية، للمرشح اليميني جاك شيراك، كما شهدت يقظة مدنية وحراكا شعبيا واسعا حاملا لشعارات مكافحة خطابات اليمين المتطرف المؤسسة على الحقد والكراهية، وهو ما جعل اقتراع الدور الثاني يتحول إلى ما يشبه استفتاء حول قيم الجمهورية وليس انتخابات رئاسية.
خلال اقتراع هذه السنة، يبدو «العقد الجمهوري» كما لو أصيب هو الآخر بعطب فادح، ذلك أن حجم اليقظة المجتمعية المناهضة لليمين المتطرف لم يبلغ سقف تعبئة العام 2002، بل إن ما تم تسجيله من مظاهرات شبابية وطلابية قد رفعت شعار «لا لوبين. لا ماكرون»، فضلا عن أن باقي المرشحين الذين لم يتجاوزوا الدور الأول، لم يعلنوا جميعهم عن دعم مرشح حركة «لنمضي قدما» ماكرون، إذ باسثتناء «فيون» مرشح الجمهوريين، و«آمون» مرشح الاشتراكيين، فإن «ميلونشون» مرشح «فرنسا الأبية» قد أثار الانتباه بموقفه الرافض بالدعوة للتصويت على «ماكرون»، خاصة بعد إقدامه على تنظيم استشارة واسعة لقواعده، جاءت نتيجتها مدعمة بنسبة الثلثين لخيار الامتناع أو التصويت الأبيض، أكثر من ذلك فمرشح حزب «انهضي يا فرنسا» ذي النزعة السيادية «دوبون إنيان» الذي حصل على 4.7 بالمائة من الأصوات في الجولة الأولى، أعلن تحالفه مع «مارين لوبين».
ثالث هذه المؤشرات، يرتبط بما تعلن عنه يوميا نتائج استطلاعات الرأي من توقعات حول نتيجة اقتراع 7 مايو، والتي تعطي «لماكرون» التفوق بنسبة 59 بالمائة مقابل «مارين لوبين» بنسبة 41 بالمائة، لكن مع الإقرار بأن الدينامية لصالح مرشحة اليمين المتطرف التي ربحت خمس نقط منذ الاسبوع الماضي، في انتظار الأثر «القوي» للمواجهة التلفزية قبل يومين، مواجهة كان جاك شيراك قد رفضها في 2002.
عموما فإن هذه النتائج «المتوقعة» تبقى بعيدة عن منطق 2002، حيث هيمن شعار عزل الجبهة الوطنية،ذلك أن «مارين لوبين» في أسوأ الحالات ستنجح في مضاعفة رصيدها من الأصوات بين جولتي الاقتراع الرئاسي.
كل هذا لا يعني سياسيا، إلا أن الجبهة الوطنية قد نجحت في تقديم صورة «طبيعية» عن مشروعها «غير الطبيعي»، وأن المجتمع الفرنسي مستمر في التموقع نحو اليمين.

حسن طارق