كتاب وأراء

بكائية على أطلال مدينة

أستميحكم عذراً فليس لدي اليوم ما أقول سوى البكاء، ولو أنني ما زلت أكتب بقلم الحبر لما اكتملت المقالة، لأنني قد لا أتمكن من مسح دموعي قبل أن تسيل على الورقة ويسيل معهـا الحبر، كما يسـيل الدم رخيصاً في وطني. من أرخـص الدم في وطني؟ من جعـل المـوت بـضاعـة يوميـة تجـد دائماً من يشـتريهـا؟ أردد نشـيد إبراهيم طوقـان: موْطِني! الجلالُ والجمالُ / والسّـَناءُ وَالبهـاءُ/ في رُباكْ والحيـاةُ والنجـاةُ/ والهناءُ وَالرَّجاءُ في هـواكْ/ هـل أراكْ/ سـالماً مُنَـعَّـماً/ وغانـماً مُكَرَّمـاً هَـلْ أراكْ/ في عُــلاكْ/ تبلُــغُ السِّماكْ.

أسـتـمع كل يوم مرات إلى الأغـنية الرائعـة «بكتب اسـمـك يا بلادي/ ع الشـمس الـما بتغـيب، وأبكي. ليسـت الأغنية سـورية بل لبنانيـة، ومع ذلـك يحـسـبها الجـميع سـورية لكثرة ما غنيناها، لكن الشـمس غابت أيها الأحباب خلـف سـحب الدخان والغبار والدمار وصرخات الأرامل والثكالى والأيتـام والعاجزين. أردد مع المتنبي:

كُلما رحَّبت بنا الروضُ قلنا

حَـلبٌ قصدُنا وأنتِ السـبيـلُ

آه يا أبا الطيب! تعال لتـرى حـلب الآن، وهات معك سـيف الدولة وأبا فراس والمعـري وابن جني والفارابي.

قيل لي: لِمَ لا تذهب في إجازة إلى سورية؟ هل أنت خائف؟ دمشق على الأقل ليس فيها أي شيء، ويوم الخــميس لن تجد طاولة في مطعـم إن لم تكن قـد حجزت مسـبقاً. بكيت غـضباً، وهل أملـك إلا البكاء؟ قلت: هؤلاء بشـر بلا شـرف ولا حيـاء، بل بلا إنسـانية، كيف يمكن أن يسهروا ويمرحوا ويأكلوا و«يشـربوا» وإخوتهم يموتون على بعد بضعـة كيلومتـرات منهم؟ أشـعر كل يوم بأنني أخون وطني وشـعـبي، كيف ألذ طعـاماً وشراباً ومتعاً صغـيرة، والشـاشـات تصفعـني بمناظر الدمار والركام والقـتلى والجرحى والذين يحفرون بأيديهم العارية علهم يجدون مدفوناً تحت الركام؟

طفـل يبكي مقهـوراً، لا لأنه يريد لعبة، بل لأن أسـرته كلها دفـنت تحت الأنقـاض، هل تذكرون الطفلة الغـزاوية التي فقدت أسـرتها كلهـا وراحت تصرخ بهسـتيرية كالمجـانين؟ لقد صار لها رفاق بالآلاف. زوجة تنـتظر زوجها الذي خرج فدائياً ليأتي بطعام أو ماء لأطفاله، فلم يرجع. أم تبكي أبناءها، وأب يندب أطفاله، وشباب وصبايا وأطفال وصغار وكهول وشيوخ وعجائز يموتون جوعاً، وأبكي. ومراسلة وقحة تصور نفسـها «سـيلفي» مع الجثث المتناثرة، وأبكي.

أتـمنى أحيـاناً دواء يجعـلني متـبلد المشـاعـر والأحاسيس كالذين يمرحون، أو يجعـلني أنفـصل عن واقـعي وأنشـغل بتـفاهـات الغـناء والمسـلسـلات، وألعـن الـوعي والثـقافـة والانشـغال بالسـياسـة، وأبكي. إلى متى أيها المجتمع الدولي المنافـق الكذاب؟ إلى متى أيتها الأمم المتحدة؟ أنا أبكي إذن أنا موجود.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين