كتاب وأراء

عـــشـــــق الــشـــــــام

في قصص العشق العظيمة في الشعر العربي قصة الحب الخالدة بين ابن زيدون وولّادة بنت المستكفي، وقد انتهت بقطيعة، وهجته ولّادة هجاء مقذعاً، ولم يذكرها إلا بخير. ومن قصائده الرائعة إليها بعد القطيعة قصيدته التي مطلعها:

إني ذكرتكِ بالزهراء مشتاقا والأفق طلـْقٌ ومرأى الأرض قد راقا

لكن ابن زيدون كان يبكي امرأة، فكيف بمن يبكي وطناً ضاع أو كاد يضيع؟ والشام عندي دائماً هي الفيحاء دمشق، وهي سورية كلها أيضاً.

إني ذكرت شــآم الـمـجـدِ مـشـــتـاقــا

فـســحَّ دمـع مـن الـعـيـنـيـن مهــراقـا

ما كنت وحـدي وشـوقي كاد يغـلـبـني

أنـّى الـتـفــَـتُّ أرى لـلـشــام عـشـاقــا

يصـبـو إلـيهـا فـؤادي بـل يـهـيـم بهـا

والقلب مضنى فهل بالشـوق قد ضاقا؟

إن طال لـيــل بـلا نجـمٍ يـضيءُ بــه

أرى مـن الـشـــام نـــوراً عــمَّ آفـاقــا

هـذي القـصائـدُ حزنُ القـلب يكـتـبـهـا

ليـس القـريـض هـمى حبراً وأوراقــا

قـد حُـقَّ لـلـقـلـب يـبكي فـي تـغـرُّبـِـه

والشـعـر يعجزُ عـن تصويـر ما لاقى

قـلـب غـنـيٌّ وحـبُّ الأرض يـعــمُـره

ولـيس يـشـكـو بحـبِّ الـشـام إمـلاقـــا

لا يـشـتكي القـلب حـباً ضاع من يـده

وليـس يـبـكي صـبـابـــات وأحـداقــــا

لـكـن شـكـواه أن الـشــام قـد حـزنـت

تـقـطـَّع الـقـلـبُ تـَحـنـانــاً وإشــفـاقــا

والشـام نبع الهـوى والقـلب في ظـمـأ

كم ذا تــعــشــَّــق آمــاقـــاً وأعـنــاقـــا

كانـت لـنـا غـوطـتـاهـا وحي قـافـيـة

حين الزمان ومرأى الأرض قد راقــا

يـا شـام يـا سـتّ ذي الدنـيـا مـتـوَّجـة

عـلـمــاً ومـجـداً وإبـداعــاً وأخـلاقــــا

أصـبـو إلـيـك ودمع العـيـن يـكـتـبـني

حتى خـشـيت على الأشـعـار إغـراقـا

أكفكف الـدمع خوف الـشـامتـيـن بـنـا

مـنـذا سـيَـعـذِر مـلـتـاعــاً ومـشـــتـاقـا

وليـس شـعـري لنـيـل الجـاه أنـظِـمُـه

مـا كـان يـرجـو مـن الآنـــام أرزاقـــا

أنـزِّه الـشـعـرَ أن يـنــزاح عـن قـمـَـمٍ

أو أن يـكون مـع الطغـيـان مـنـسـاقـا

يـأبى الـقــصـيــدُ نـِفـاقــاً في تـألــُّـقِـه

ولـيـس يـرجــو إذا غـنـّــاك أســواقــا

يسـامـر الـنجـمَ في لـيـلٍ بـلا صخـب

ويـســتحـمُّ بـنــور الـصـبـح إشـــراقــا

متى أرى الشـام عـند الشمس بيرقُـها

يـظـلـِّـل الأرضَ في الآفــاق خـفـّـاقــا

للشـام شـعـري ودمع القـلب ضـمَّخـه

يعـدو إلى السـحر في الفـيحاء سـبّـاقـا

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين