كتاب وأراء

تنويع الاقتصاد : هل الخصخصة هي الحل؟

وضحنا في مقالة الأسبوع الماضي أن دول الخليج لم تنجح في تنويع اقتصاداتها رغم الأزمات المتكررة. ولقد ركزت معظم المنظمات العالمية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين وكذلك الشركات الاستشارية الدولية التي تقوم بالمساهمة في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدول النفطية ومنذ انهيار أسعار النفط في 2014 على دور القطاع الخاص في عملية تنويع الاقتصاد.
كما تم وضع خطط اقتصادية لبعض دول مجلس التعاون من أجل تحقيق التنوع الاقتصادي تقوم في جوهرها على مبدأ الخصخصة. أي بيع المؤسسات المملوكة للدولة للقطاع الخاص المحلي والأجنبي من أجل قيادة الاقتصاد بعيدا عن النفط. ولعل أشهر هذه العمليات والتي تحتل حيزا كبيرا من النقاش العام هي ما تتعلق ببيع أجزاء من شركات البترول المحلية للقطاع الخاص الأجنبي.
ومن ثم فالسؤال الملح الآن هو: هل سيؤدي هذا التوجه بالفعل إلى تنويع الاقتصاد؟ ولعل بعضا من الإجابة يمكن أن نجدها في تحليل البروفيسور بول ستيفن المميز (في شيتام هاوس في ديسمبر 2016) والذي يوضح فيه أنه «إذا كان من المتوقع أن تخلق الخصخصة، بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، حوافز أكثر فعالية؛ وفرض مزيد من المساءلة على الإدارة العليا؛ والحد من التدخل الحكومي في العمليات التجارية؛ وإعطاء إدارة أهداف تجارية واضحة غير مقيدة بمتطلبات السياسة الاجتماعية وكذلك الحد من القيود المالية المفروضة على المشاريع التي كانت تعتمد حتى الآن على إيرادات الحكومة فإن الدروس المستفادة من برامج الخصخصة في أوروبا وأميركا اللاتينية في الثمانينيات والتسعينيات تثير تساؤلات خطيرة حول قدرة هذه البرامج على تحقيق الأهداف المتوقعة منها في دول مجلس التعاون الخليجي».
ويستطرد البروفيسور ستيفن بأنه يمكن باستخدام تحليل الحجج الأيديولوجية للخصخصة -المستمدة من النظرية السياسية الاقتصادية ونظريات الاختيار العام بأن هناك احتمالا قويا بأن الحكومات في دول مجلس التعاون الخليجي لن تنجح في الضلوع ببرامج خصخصة فعالة.
حيث توضح التجارب السابقة أن مجرد تغيير حقوق الملكية الخاصة بالمؤسسة- أي تحويلها من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة- ليس في حد ذاته كافيا لتحسين الأداء. فهناك متطلبات وشروط أخرى منها «تحسين وزيادة المنافسة؛ تعديل نظم الإدارة وتفعيلها بحيث يتم تعظيم قدرة الإدارة على الاستجابة والمرونة والابتكار؛ خفض وتقليل التدخل الحكومي بما يسمح للإدارة بتعظيم قيمة المساهمين؛ تفعيل أسواق رأس المال وفرض الانضباط اللازم على سوق الائتمان والاقراض».
ومن ثم فإن الظروف الاجتماعية والسياسية التي تتميز بها دول مجلس التعاون الخليجي والتي تستند إلى شبكات الإدارة العائلية للشركات وشبكات المقربين من النخبة ومدى قربها من دوائر صنع القرار وحيث تكون حقوق الملكية غير مستقرة أو حدودها غير واضحة أو حين يكون تطبيق القواعد واللوائح قابلا للنقاش والمفاوضة، من ثم فإن آفاق التنظيم المستقل للمؤسسات التي يتم تخصيصها تكون غير مؤكدة وبالتالي لن تكون الشروط اللازمة لنجاح برامج الخصخصة متوافره أو أن تكون الظروف مواتية.
لذا فإن فرص واحتمالات نجاح التحرير الاقتصادي -من خلال الخصخصة -في دول مجلس التعاون الخليجي دون إصلاح متزامن في البيئة الاستثمارية والبيئة القانونية التي تضمن حقوق الملكية وأساليب الحوكمة غير كبيرة. فإذا كانت الخصخصة لن تقدم الا تغيير في أسماء الملاك ومجموعة من الأرباح المحسوبة على الدولة مع تعزيز الشبكات النخبوية التقليدية، فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تفاقم الاوضاع نفسها التي يمكن أن ينتعش فيها عدم الكفاءة والعجز الإداري الذي تعاني منه جل أو كل المنطقة العربية.
لذا فإن النظرية والتحليل التطبيقي على حد سواء يوحيان بأن الخصخصة لن تكون الدواء الشافي الذي يعتقد الكثيرون أنه الحل لمسألة تنويع الاقتصاد في منطقة الخليج العربي. ومن ثم فإن الاقتراح الذي يسمح بتوسع وبدخول القطاع الخاص إلى قطاعات محتكرة من قبل شركات القطاع العام أو الدولة ومن ثم أجبار هذه الشركات المحتكرة المملوكة للدولة على التنافس والأداء الأفضل تبدو الآن الطريقة أكثر واقعية مقارنة ببرامج الخصخصة المقترحة.

بقلم : أ. د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي