كتاب وأراء

اضواء في الظلام

قد يفقد ثراء التجربة الإنسانية شيئا من البهجة المُرضية إذا لم تكن هناك قيود يمكن التغلب عليها..أن لم توجد محبطات وعوائق.فإن لحظة الوصول إلى قمة التل لا تكون في نصف روعتها أن لم تكن هناك أودية مظلمة عليك أجتيازها» كلمات قالتها «هيلين كيلر» التي فقدت السمع والبصر ولم تفقد البصيرة ،وآمنت بهذه الحكمة»عندما يُغلق باب السعادة، يُفتح آخر، ولكن في كثير من الأحيان ننظر طويلا إلى الأبواب المغلقة بحيث لا نرى الأبواب التي فُتحت لنا» من هولاء الناس الشاعر المصري» احمد فتحي»هذا الشاعر المثقف المرهف الحس تشاجر مع مديره شجارا عنيفا،فصدر قرار إبعاده إلى مدينة الأقصر التي تبعد أربعة وعشرين ساعة عن القاهرة كعقاب،وكان عقابا قاسيا.لقد شعر الشاعر الموظف انه تعرض لظلم فادح،فأقام الدنيا وأقعدها بالشكوى والأنين ، وطفق يبعث الرسائل لأصدقائه يشكوا فيها وحدته ويعترف بأنه يذرف الدموع كل يوم لبعده عن أفراح النفس ومباهج الحياة.وأنكر ان يعيش شاعر مثله بين الحجارة والإطلال.ومرت الأسابيع وبدأ يتجول بين الأطلال والحجارة التي أنكرها.وسرعان ما أصبح من عشاقها..وتدفقت الصور الشعرية وكتب أفضل ما كتبه في حياته كلها«قصيدة الكرنك» والتي يقول مطلعها «حلم لاح لعين الساهِر.. وتهادى في خيال عابر.. وهفا بين سكون الخاطر.. يصل الماضي بيمن الحاضر»...في تلك الفترة كان الشاعر قد تجاوز الأربعين من عمره وما زال مغمورا ومعدما ،وليست هناك أية بوادر تشير إلى ان احواله ستتغير ،وخطر له بعد ان جادت قريحته بهذه القصيدة أن يرسلها لمدير الإذاعة المصرية لعل وعسى أن تلفت انتباه مطرب ما فيتحمس لغنائها ،ويجود عليه بأجرها وهو «ثلاثة جنيهات» ويفرج أزمته المادية.،وتلقى مدير الاذاعة القصيدة ،قرأها وأعجب بها،ولم يتردد في الاتصال بعملاق الطرب «محمد عبدالوهاب»ويلقي كلماتها له عبر الهاتف، ومثلما توقع أعجب بها عبدالوهاب أيما اعجاب،ومرت شهور لم يتلقى فيها الشاعر ردا ،ويئس من الانتظار ،وعاد يمارس حياته الروتينية بلا حماس، وذات يوم كان يجلس وحيدا في مقهى واذا بالراديو يعلن ان عبد الوهاب سيغني أغنية جديدة اسمها «أنشودة الكرنك» ووسط ذهوله ودهشته صار مشهورا بين ليلة وضحاها وتلقى من الإذاعة خمسين جنيها ثمنا للقصيدة وليس ثلاثة جنيهات ،لأن من قام بغنائها «محمدعبد الوهاب وليس مطربا آخر من فئة الجنيهات المعدودة.وأطلق عليه منذ ذلك اليوم شاعر «الكرنك» الحجارة التي كان يعتقد أنها مقبرة إبداعه..كانت سببا في شهرته ونجاحه.. ودائما وأبدا الخير فيما اختاره الله.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري