كتاب وأراء

فارس آخر يترجــَّـل

* فقدنا حتى القدرة على البكاء.. جاءنا نعي الصديق طلعت الشايب فذهلنا.. ألن نسـتمع إلى قفشاته الذكية، ومناقشاته الصاخبة بحق، وتحليلاته العميقة، ومشاركاته الغزيرة في ميادين الثقافة؟ خسـرنا وخسـرت الثقافة، وهي تخسر باستمرار. من أعزي؟ لم أجد من أعزيه إلا نفسي وبعض الأصدقاء.
قـالـوا: تـرجَّـل فارس، قـلـتُ: انـدُبـوا
عـاشــرتــُـه، وخـبـِرتـُـه، وعـرَفـتــُـه
مُــتــدَفــِّـقٌ كالـســيـلِ حُـلـوُ حـديــثـِـه
والـعــقـْــلُ يجـذُبُـه بعـيـداً عـن هـوى
والظـُرفُ في الألفـاظ بعـضُ صـفـاته
يـشـــتـاق شِـــعـراً صـادحــاً ويـهـُـزُّه
عـرَف الأعاجـمَ في عُـيــونِ بـيـانـهـم
تـلـقــاه في الـسُــمّـارِ نـجـمَ فـصـاحَـةٍ
خـبـِرَ الـحـيــاة بـحُـلـْـوِهـا وبـمُــرّهــا
يـكـفــيـــه مـن خِــلٍّ وفــــاءٌ صـــادقٌ
يـأبـى الـخِــداع بـكـبــريـــاءِ مُـقـاتـِـلٍ
بـدرُ الـمجـالـس إن يـكُنْ في صُـحـبـة
تـلـقى الـصِـحـابَ كأيـكــةٍ حَـفــُّـوا بـه
حَــزِن الــرِفــاقُ لـفـَـقـْـدِه وتـألــَّـمــوا
خـســرَ الـبـيــان فـتىً وأظـلـمَ مـلـعـبُ
صـقراً يـضيـقُ بـه الفـضــاءُ الأرحـبُ
فـكأنـّمــا في الحـرفِ عـطـرٌ يُـسـكــَبُ
والعـقــلُ فـي كلِّ الـمـواقـــفِ يـغـلـِــبُ
لـيـســت مـنــاقــبـُـه غـُــثـــاءً يَـذهـَـبُ
لـحــنٌ تـردَّد في الـمـســامـع مُـطــربُ
لـكنـّه مـن نـبــــعِ «يـعــربَ» يـشــربُ
مُــتـــمــيـــِّـزٌ في قــولــِـه ومُـجـَــرِّبُ
لــم ألــْـقــَــه إلا لــحــــقٍّ يـغـــضـــبُ
ويُـثـيــرُ مَـكـمَـنَ حِـنـقـــِه المُـتـَـقـلـِّـبُ
ويـشـَـعُّ صِــدْقاً فـي حــروفٍ تُـكـتـَـبُ
بــمــحــبــَّـــة، لـكـــنــَّـــه لا يــكــْـذِبُ
وحـديــثـــُه كالـشـَـهـْـدِ أو هـو أعْــذبُ
خفتَ الضياءُ وشمسُ «طلعتَ» تغرُبُ

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين