كتاب وأراء

المعجم الذي نحتاجه

لجميع اللغات عبقرياتها في التعامل مع الكلمات الجديدة الوافدة إليها، ولنأخذ اللغة العربية مثالاً.

أولى طرق تعامل اللغة مع الكلمة الجديدة «الترجمة» وقد تصيب الترجمة وقد تخيب، والمهم في هذه الحالة تقبل الناس للكلمة الجديدة أو رفضهم لها، كما تقبل الناس كلمات السيارة والصحيفة والجريدة والقطار والإذاعة والمكيـف والمروحـة والهاتـف، وهـو في المعجـم: الصوت الذي تسـمعه ولا ترى صاحبـه، تذكروا دقة الشاعر أحمد رامي حين ترجم رباعيات الخيام:

سمعت صوتاً هاتفاً في السحَرْ نادى من الغـيـبِ غُـفاة البشـرْ

ورفضوا كلمات مثل: الرائي (التلفـزيون) ودار الخيالة (السـينما) وجهاز التحكم عن بعـد (الريموت كونترول) والجوال والمتنقل والنقال والمحمول والخلوي والخليوي (الموبايل) وغيرها.

والطريقـة الثانية تعريـب الكلمة، أي إدخال الكلـمة في اللغة العربـية، بمعنى منحها الجنسـية العـربية، ويخلط كثيرون بين الترجمة والتعريب. ويكون التعريب بطريقتين: إما أن ندخل الكلمة في معجم اللغة العربية كما جاءتنا، أو أن نحورها قليلاً بما يتناسـب مع اللغة العربية. وليسـت اللغة العربية وحدها في هذا، بل تشـترك فيه اللغـات الأخرى، وأضرب لكـم مثالاً:

عـرفت الأمم الأخرى «السـكر» عن طريـق العرب فلم يتعبوا أنفسهم في ترجمة الكلمة، بل أدخلوهـا في معجمهم بتحريفات مختلفة، فهو SUGAR في الإنجليزية (وتلفظ بالشين بدل السـين) وفي الفرنسية SUCRE وفي الإسبانية AZUCAR (مع وجود إشـارة فـوق الحرف الثالث) وفي الألمانيـة ZUCKER وفي التشـيكية CUKR وفي التركية SEKER ويقـال إن ثلث المعجم الإسباني أصله عربي.

نحـتاج في المعجم الجديد إلى الكلمات التي رفـض الناس ترجمتها كالتلفـزيون، وقد دخل اللغة العربـية واشـتـقوا منه كلمات أخرى: تلفـز، متلفـز، تلفـزيوني وتلفزيـونية، ومثل التلـفـون عـلى الرغم من أن له ترجمـة هي الهاتـف، لكن الناس لم يسـتسـيغوا الفعـل «هاتَف» فقالوا: تلـفن. ومثـل البنك على الرغم من ترجمته «مصرف» لكن الكلمة الأجنبية التي عُربت ما زالت سائدة.

لنأخذ الجذر «وجب» ومنه الوجوب، ومنه الوجبة، ماذا نفهم من الكلمة الآن؟ نفهم أنها الأكلة المُشـبعة، ونقسـم الطعام إلى وجبات: وجبة الفطور ووجبة الغـداء ووجبة العشـاء، ولكن الوجبة لم تكن تعـني هذا، نجد في المعجم: الوَجْبة: السَّقطة مع الهَدَّة. وَوجَبَ وجْبة: سقط إلى الأَرض وفي حديث سـعيد: لولا أَصْواتُ السـافِرة لسمِعتم وَجْبة الشـمس أَي سُـقوطها مع المَغـيب. والوجبة: صوت السُّقوط. فهـل نحن في حاجة بعد هذا إلى أن نذكر هذه المعاني كلما ذكرنا الوجبة؟

وألوان الأدب كثيرة: الشعر: وفيه البيت والمقطوعة (أقل من سبعة أبيات) والقصيدة، والقصة، والمقامة (فن أدبي انقرض وأشهر فرسانه الحريري وبديع الزمان الهمذاني) والمقالة كترجمة موفقة جميلة لكلمة ESSAY والرواية كترجمة جميلة أيضاً لكلمة NOVEL والمسرح والمسرحية وكل ما يتعلق بهما. هل من الضروري عند ذكر كلمة رواية في المعجم الجديد أن نقول: الراوية هو الذي يروي الأحاديث والأشعار؟ وأن الرواية تتعلق بالارتواء؟

نحتاج في هذا المعجم المبسط إلى الشرح المعاصر للكلمات، وربما مع الإشارة إلى المعاني القديمة لها باختصار، فنحن نعرف الفعل «لاقى» وهو مشتق من «لقي» ومنه اللقاء، ولكن للفعل لاقى معنى آخر، قال الأصمعي لهارون الرشيد: ما لاقتني بلاد بعدك يا أمير المؤمنين، ولم يفهمها الرشيد فسأل الأصمعي عنها فقال: أي ما أمسكتني، فهل من الضروري أن نذكر هذا المعنى الآن؟ أم نكتفي باللقاء؟

من الاشتقاقات الحديثة الجميلة فعل «عايد» أي قدم التهنئة بالعيد، وتبع ذلك المعايدة والمعايدات للتمييز بينها وبين عاود، ومن الاشتقاقات «العيدية» وهي الهدية التي تقدم في العيد ولاسيما للأطفال، وتكون غالباً نقوداً، لكن للعيدية في المعاجم القديمة معنى آخر لا يهمنا ولا يستعمله أحد، ولا يفهمه أحد.

العيدِيَّة: نجائب منسوبة معروفة، أي إن العيدية ناقة، وقيل: العِيدية منسوبة إِلى عاد بن عاد، وقيل: إلى عادِيّ بن عاد، وقيل: العيدية تنسب إِلى فَحْلٍ مُنْجِب يقال له عِيدٌ، كأَنه ضرب في الإِبل مرات، وقيل: بنو العِيد: حي تنسب إِليه النوق العِيدِيَّةُ، فهل نحن بحاجة إلى هذه المعاني كلها؟

كثيراً ما نقرأ: وقدم مسوغات القرار، أي مبررات هذا القرار، أي ما يجعل الآخرين يقبلون به، كأن تقدم الحكومة قراراً إلى مجلس النواب، وتقدم مسوغاته. لكن الأصل مختلف تماماً..

ساغ الشرابُ في الحَلقِ: سَهُل مَدخله في الحلقِ. وساغ الطعامُ سَوغاً: نزل في الحلقِ، ويقال: أَساغ فلانٌ الطعام والشراب وسَوَّغه ما أصاب: هنَّأَه، جاز له ذلك، وأَنا سَوَّغتُه له أَي جَوَّزتُه، وعندما نقدم المسوغات، فإنما نقدم ما يجعل القرار أو الأمر يمر بسهولة، ونقدم مسوغات فعلنا فيقتنع به الآخرون بسهولة، وهذا اشتقاق عبقري، فالمسوغ في الأصل الشراب الذي تشربه مع الطعام لتبتلع اللقمة بسهولة، وهنا صار المبرر الذي تقدمه ليمر الأمر بسهولة، فهل نحن بحاجة إلى شرح المعنى الأصلي لكلمة «سوّغ» التي استعرناها؟ هل يستخدم أحد هذا التعبير: أعطني شراباً لأسوّغ اللقمة؟

نقرأ أو نسمع في الأخبار «بعد قصف مدفعي عنيف» أو يمر الخبر «وقصفت الطائرات مواقع التمرد بالصواريخ» وبالمناسبة تخطئ أجهزة الإعلام كثيراً فيرد فيها «قصف عنيف على» لأن فعل «قصَف» ومصدره «قصْف» يتعدى بنفسه ولا حاجة لحرف الجر، فمن أين جاءت كلمة «قصف»؟ وهل تعني ما تريده الأخبار؟

القَصْف: الكسر، قَصَف الشيء يقصِفه قصْفاً: كسره. وانقصَف وتقصَّف: انكسر، ألا يذكرنا هذا بالشَعر المتقصف وهو الشعر التي تتشقق نهاياته؟ وهو أَقصَفُ وقصِفٌ إذا كان خَوّاراً ضعيفاً، وكذلك رجل قَصِف سريع الانكسار عن النَّجدة. وكثيراً ما نقرأ في الفنادق «المقصف» وهي فصيحة صحيحة، لأن القصْف: الجَلبة والإعْلان باللهو. القُصُوف الإقامة في الأَكل والشرب، وتستعمل غالباً في الملاهي ولا نعني النوادي الليلية. هذه بعض اشتقاقات «قصف» وقد استعاروا القصف للمدافع والطائرات والدبابات وغيرها، وهي استعارة جيدة، ربما بسبب الصوت لأننا نقول: رعد قاصف، أي شديد مهلك لصوته، ورأينا أن القصف يعني الكسر، لكن أحداً لا يبحث الآن عن هذه المعاني، ولذا تجب الإشارة إليها بسرعة في المعجم الجديد والإبقاء على القصف الدي يعرفه كل الناس.

وعلى ذكر النادي وهي كلمة شائعة جداً لكثرة انشغال الناس بالرياضة، لم يكن لدينا كلمة لتسمية هذه المؤسسة واسمها بالإنجليزية والفرنسية CLUB، ثم اخترعوا «النادي الليلي» كترجمة حرفية للاسم الإنجليزي NIGHTCLUB أو الفرنسية CABARET أوBOITO DE NUIT أو DISCOTHEQUE والأقرب إلى الصحيح «ملهى» لأنها أمكنة لممارسة اللهو بدرجات متفاوتة، فهل كان النادي يعني ما نفهمه الآن؟

النَّادي: المجلس يندو إليه مَن حواليه، ولا يسمى نادياً حتى يكون فيه أَهله، فإذا تفرَّقوا لم يكن نادياً، والجمع الأَندية. وقالوا: النادي مجتمع القوم وأهل المجلس، ولا أعتقد أن أحداً يستعمله الآن بهذا المعنى.



بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين