كتاب وأراء

استطلاعات الرأي هل يركن ماكرون للطمأنينة؟

المفاجأة الأولى حصلت في الانتخابات الرئاسية الفرنسية فهل تحدث الثانية؟
الأولى سجلت فوز الشاب ايمانويل ماكرون (39 سنة) وتأهله إلى الدور الثاني الحاسم وحلوله في المرتبة الأولى.
وهو من خارج الثنائية الحزبية التقليدية، ولم يكن معروفا لدى كثير من الفرنسيين، إلى ان أصبح قبل ثلاث سنوات فقط عام 2014 وزيرا للاقتصاد والمال في حكومة الاشتراكي ايمانويل فالس. وهو لا ينتمي إلى الحزب الاشتراكي، وإنما كان قد عين قبل ذلك بنحو سنتين نائب مدير عام قصر «الاليزيه» قادما من عالم المال والمصارف حيث كان يعمل في بنك روتشلد الاميركي. ولم يلبث ان غادر الحكومة في 2016 ليعلن ترشحه للرئاسة، بدعم ضمني من الرئيس الحالي فرنسوا هولاند، ويحقق مفاجأة التأهل في دورة الاقتراع الأولى ويصبح على عتبة القصر الجمهوري كأصغر رئيس لفرنسا منذ نابليون.
أما العنوان الثاني لهذه المفاجأة فهو ان تأهل ماكرون وزعيمة اليمين المتطرف والعنصري مارين لوبان إلى الدورة الثانية قد أقصى عن المنافسة، وبالتالي عن الرئاسة لأول مرة في تاريخ فرنسا الحديث منذ أكثر من خمسين سنة، الحزبين الرئيسيين، تيار «الجمهوريين» ممثل اليمين المحافظ والديغولي والحزب الاشتراكي، اللذين تناوبا على حكم فرنسا منذ 1959. وقد تمت هذه الاطاحة عمليا على أيدي ماكرون الوسطي المستقل، الذي لا ينتمي إلى أي من الحزبين التقليديين، ولا حزب له أو كتلة برلمانية يستند اليها. فيما حدث ان تأهل في فترة سابقة زعيم اليمين المتطرف أي زعيم «الجبهة الوطنية» جان ماري لوبان في مواجهة الرئيس السابق الديغولي جاك شيراك. ففي الانتخابات الرئاسية عام 2002 تمكن لوبان والد منافسة ماكرون الحالية من التأهل لأول مرة إلى الدورة الثانية على حساب المرشح الاشتراكي رئيس الحزب ورئيس الحكومة الفرنسية يومذاك ليونيل جوسبان.
صعود ماكرون يشبه إلى حد ما صعود فاليري جيسكار ديستان الذي حقق خرقا في صفوف الديغولية أيام عز سطوتها وفرض نفسه رئيسا عام 1974، مستفيدا من حدة المنافسة بين أقطابها. وتمكن يومها من هزيمة الزعيم الاشتراكي فرنسوا ميتران بنسبة ضئيلة جدا لم تصل إلى واحد في المائة (50.7 %). لم يكن ديغوليا، وإنما كان ليبراليا مقربا من الديغوليين وشريكهم في الحكم كوزير للاقتصاد والمال أكثر من مرة.
فهل هذا يعني أن الرئاسة أصبحت في جيب ماكرون؟ هناك أكثر من عامل بطبيعة الحال يلعب لصالحه، أولهم المصلحة المشتركة للاشتراكيين وبعض اليسار ولليمين المحافظ والليبرالي في قطع الطريق على اليمين المتطرف الذي تمثله لوبان. وهذا ما حصل في 2002 حين صب الاشتراكيون ومعظم اليسار والوسط أصواتهم على شيراك الذي سجل يومها رقما قياسيا قارب 80 في المائة في مواجهة لوبان الأب. وهذا العامل لا يزال حاضرا بقوة بدليل ان زعيم ثورة مايو 1968 الطلابية اليسارية التي أجبرت ديغول على الاستقالة دانيال كوهين بنديت دعا للتصويت لصالح ماكرون.
العامل الثاني نقمة الشباب، في صفوف اليمين واليسار على السواء، من الطبقة السياسية وأحزابها التقليدية بدا معها ماكرون بمثابة بديل لليسار التقليدي (مرشح الحزب الاشتراكي نال في دورة الاقتراع الأولى 6.8 % والشيوعي اقل من 3 %) ومخرج لليمين الديغولي المأزوم والمشلع بفعل صراعاته الداخلية. كما حصد ماكرون اصواتا مرتفعة في الشمال والمدن الكبرى، في حين تقدم مرشحا اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون (19.5 %) واليمين المتطرف والعنصري لوبان (21.5 %) في الجنوب والأرياف. وهذه نسب تصويت مرتفعة على ماكرون ان يقرأها جيدا لأنها تختزن كل الاحتقان الشعبي على الوضع الاقتصادي وأزمة البطالة، والشحن العنصري ضد الاجانب والخوف من الإرهاب، مجبولة بالنقمة على العولمة وسياسات البنك الدولي، التي يعتبر البعض ماكرون أحد ممثليها.
ان أخطر سلاحين يمكن ان يعملا لصالح لوبان في الأيام الأخيرة هما المقاطعة والورقة البيضاء، والنوم على حرير استطلاعات الرأي التي يرجح آخرها فوز ماكرون بنسبة تفوق 60 %.
بقلم: سعد كيوان

سعد كيوان