كتاب وأراء

.. ولا يزال أحفاد «سبايز» يحكون القصة !

شيكاغو، والزمان 1886..
.... وكان الحبلُ الغليظُ يلتفُ حول عنق العامل أوغست سبايز، أحد العمال «الفوضويين السبعة» الذين أدينوا بالعنف ضد الشرطة، في أعقاب اجتماع عمالي مع عمدة شيكاغو، لحلحلة مطلب «حركة الثماني ساعات» ورفع إضراب كان قد بدأ أول مايو، احتجاجا على العمل لأكثر من ثماني ساعات، يوميا.
التف الحبلُ، تماما. كان أوغست يغمضُ عينيه، عن دنيا كانت..
وكانت زوجته- مدام سبايز- يرتفعُ صوتها، بين كل عبرة وعبرة- تقرأ رسالة من الزوج
إلى طفله الصغير.
شهقت المشنقة، وراح سبايز.. ونشفت آخر جملة من رسالته، في حلق الزوجة التي صارت.. أرملة!
كبر الطفل، والرسالة التي حفظها عن ظهر صوت أمه التي ترملت، كانت تكبرُ معه،
تمده بنوع من العنفوان، وهو يقرؤها للصحاب، في كل أول مايو، والأيام التالية.
الطفل الذي كان طفلا، يوم التف الحبل على عنق أبيه، وأمه تقرأ، صار أبا.. والأحفاد
صاروا آباء، والرسالة.. الرسالة التي ظلت يتوارثها الأبناء عن الآباء، تدخل التاريخ بصوت مسز سبايز:
«جيم، يا ولدي الصغير، حين تكبر وتصير شابا، ستعرف لماذا أموت. ليس عندي ما أقوله
أكثر من أنني، أموت من أجل قضية شريفة.. لهذا لا أخاف الموت!
حين تكبر- يا ابني- ستفتخر بأبيك، وتحكي القصة لأصدقائك..»
من صديق لصديق، وصار التاريخ نفسه صديقا.. وصار يحكي.. يحكي القصة، في كل أول مايو:
تآمرت الشرطة- يومذاك- مع أرباب العمل في شيكاغو. رمت قنبلة بعد اجتماع العمدة بممثلي العمال، لتصبح هذه القنبلة ذريعة بوليسية، لفتح النار على العمال».
هكذا اعترف رئيس الشرطة- ذات صحوة ضمير- بعد أحد عشر عاما، من يوم القنبلة.
كانت قد مرت اعتقالات، ومحاكمات، وإدانات بالسجن، وإدانات بالإعدام، في الأيام التالية التي أعقبت يوم العنف الرهيب..
هكذا تحكي الأرملة، وكان لا يزال صوتها في السواد.. وهكذا راح يحكي (جيم) للصحاب.. وهكذا راح يحكي التاريخ.. ومن حكيه، عرفنا قصة «أول مايو» التي أصبحت عيدا للعمال، في كل زمان.. وفي كل مكان!
دون الدخول في الكثير من التفاصيل، يمكن القول إن فكرة عيد العمال، فكرة قديمة، غير أنها اقترنت عمليا، بذكرى شهداء ساحة (هايماركت) حيث القنبلة (السرية البوليسية) والرصاص الذي راح يثرثرُ في أجساد العمال.
الفكرة أصبحت عيدا..
وفي كل أول مايو- مثل يوم أمس- ترتفع القبضات، والهتافات، والمطالب العمالية.. وترتفع اللافتات، والشعارات الحمراء، التي تنددُ بالرأسمالية، في الكثير من مدن العالم..
كان ذلك، حين كان الاتحاد السوفياتي قُطبا. حين كانت الحرب الباردة.. حين كان الشعار الأحمر: «يا عمال العالم، اتحدوا»، حين كانت الحركة العمالية، في العالم كله، ذات صولات وجولات، مع أرباب العمل، والحكومات المتواطئة، المضيعة لحقوق دخان المصانع أصحاب الياقات الزرقاء المتسخة!
فات زمان.. وجاء زمان، وضع فيه غورباتشوف آخر لبنة في صرح انهيار الاتحاد السوفياتي. صارت أميركا قطبا واحد. سقط الشعار الأحمر، وتفرق العمال الذين ما اتحدوا إلا قليلا، تنتاشهم سهام الرأسمالية، التي توحشت كثيرا!
أحفاد أحفاد «جيم» ابن الشهيد العمالي أوغست سبايز، ما زالوا يحكون القصة، وهم يستعيرون رعشة صوت الجدة، الأرملة سبايز، ويمتلئون- في ذات اللحظة- بذات العنفوان الذي كان يملأ زوجها والحبل يضيق حول العنق.. يمتلئون بذات العنفوان الذي كان يملأ (جيم) الابن وهو يحكي القصة.. ويحكي!..
التاريخ لا يزالُ يحكي، لكن العمال.. العمال في زمن القطب الواحد، ما عادوا يذكرون- كثيرا- ما حدث في ساحة (هايماركت).. ولم يعودوا- من ثم- يرفعون حلاقيمهم بالهتافات.. ويملأون قبضاتهم بالتصميم!
بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار