كتاب وأراء

فقد صديق وأسرة وعيد

يوم أمس كان 17 نيسان/ أبريل ذكرى جلاء المحتل الفرنسي عن سورية عام 1946، وفي سورية نسميه «عيد الجلاء» وليس هذا خطأ لغوياً، فكل اجتماع للاحتفال عيد. فأين عيد الجلاء؟ قلت مرة لصـديق سـوري مسـؤول: لا تسـتطيع أن تطـلب من أي سـوري الاحتـفال بمناسـبات أخرى، أما الاحتفال بذكرى الجلاء فإنه «واجب» على كل سـوري و«حق» له أيضاً. من سـيحتفل بالجلاء في سورية؟ من قتلوا وقد أحصت الأمم المتحدة نحو 300 ألف ثم توقفت عن العد؟ أم المغيـبون والمعتقلون هنا وهناك ولا يعرف أحد عددهم؟ أم الذين تشردوا في الأرض في أكبر موجة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية؟ أم الذين يتاجر بهم الجميع؟

وقبل يومين احتفلنا في قطر باليوم العالمي للأسرة، وهل بقي في سورية أسرة؟ الأب قتيل والأم تترحل مع بنيها فلا تجد لهم طعاماً ولا دواء ولا مأوى، ويساومها تجار النخاسة على جسدها.. الأب مهاجر والأم والأولاد بانتظار أن يلحقوا به.. والأولاد في أوروبا تتقاذفهم أمواج الكره والتعصب وتجبّر الأقوياء على الضعفاء.. الأب والأم في سورية يتحملان حزن الأبوين إذا فارقا أولادهما.. هل بقي في سورية أسرة لم تذق لوناً من ألوان العذاب من اعتقال إلى قتل وتشريد إلى اختفاء إلى جوع وفقر ومرض؟ أين هي الأسرة التي يلتم أفرادها على مائدة العشاء، يعيشون في سعادة لن يعرفوها إلا إذا لحقت بهم شرارات مما يجري في سورية؟

في السابع من هذا الشهر فقدت صديقاً لم ينعه أحد مع أن وسائل الإعلام تحفل بآلاف الصفحات عن أي تافه وتافهة ممن يسمونهم فنانين. توفي الصديق الكاتب والصحفي والناقد والمفكر والإعلامي حسين عودات، الذي لم أعرف ناشراً غيره مات فقيراً لأنه كان شريفاً يرفض أن يسرق المؤلف والقارئ معاً. آمن بسورية وبحق الشعب في أن يعيش حراً كريماً، ورفض مغادرة بلده، ورفض عسكرة الاحتجاجات، فلا هو أرضى السلطة، ولا هو أرضى أعداءها. رحمة الله عليك يا أبا باسل.

أعود إلى الوراء قليلاً في هذا الشهر، فقد مرت في الثالث منه ذكرى وفاة المبدع محمد الماغوط، صاحب الموقف والكلمة الجارحة المضحكة إلى حد البكاء. قد نختلف حول شاعريته، ولكن الماغوط ابن بلدتي الفقيرة سلمية كان أكبر من هذا، وحسبنا مسرحياته التي بنى عليها دريد لحام مجده، وكان محمد بحاجة إلى من يوصل كلمته إلى الناس. مات محمد الماغوط كما عاش فقيراً مقهوراً، لكنه كان متخماً بالتوق إلى زمن نبيل يعرف أنه لن يأتي.



بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين