كتاب وأراء

فاوست.. الرمز الثقافي الذي لا ينضب

مصطلح ««A PACT WITH THE DEVIL»، هذا المصطلح الذي أصبح تكريسا لرمزية ثقافية، تلك الرمزية التي لا يمكن لقارئ متوسط الاطلاع، إلا وأن يكون قد تعثر بها، ربما دون أن ينتبه، أثناء قراءته، وفي أشكال مختلفة. هذه الرمزية الثقافية الشائعة، تعتمد على فكرة: أن تُسلم روحك للشيطان مقابل الحصول على مبتغاك: مال، نجاح، سلطة، شباب، أو مهما يكن ما تظن أنه ينقصك، وأن بإمكانك الوصول إلى السعادة القصوى عندما تنجح في تحصيله، مهما كان ومهما يكن ما تدفعه ومن تدفع له في هذا المسعى.
تعود هذه الرمزية في أصلها إلى الحكاية الشعبية الألمانية، التي تدور حول الدكتور الكيميائي يوهان جورج فاوست، والتي تقول إنه أبرم صفقة للحصول على النجاح المادي والملذات الدنيوية، مقابل أن يتنازل عن روحه للشيطان. في الواقع أن هذه الحكاية، مثل أي حكاية شعبية أخرى، قد تذهب إلى أصول أبعد، السلف الأقدم لهذه الحكاية، هي حكاية أخرى عن القديس ثيوفيلوس القاصر، أو ثيوفيلوس أضنة (توفي 538 م) وهو، كما تقول الحكاية الشعبية، رجل دين في كنيسة من القرن السادس، أبرم صفقة مع الشيطان للحصول على ترقي كنسي، وبالذهاب أبعد وأبعد أيضا، نجد أن لها بذرة صغيرة في حكاية في الميثولوجيا اليونانية من خلال أسطورة أيكاروس الذي طار قريبا من الشمس..
هذا الرمز الذي من الواضح أن له أصولا بعيدة، أصبح أداة تم الاستعانة بها في نصوص سردية روائية أو مسرحية، وشعرية، وحتى في أداء أوبرالي مثلما هو الحال مع المؤلف الموسيقي الفرنسي شارل جونو في أوبرا فاوست، وكذلك هيكتور بيرليوز الفرنسي أيضا في لعنة فاوست الأبدية، بعض هذا الاستدعاء تم بصيغة تكاد تلامس البنية الأساسية للحكاية، وكأنها إعادة بشكل مباشر لتفاصيل هذه الحكاية، وأول من أطلق هذا الاتجاه هو الكاتب الإنجليزي «كريستوفر مارلو».
كتب كريستوفر مارلو - والذي «يظن أنه تنكر تاليا، هربا من أزماته المتعددة، في شخصية الشاعر الإنجليزي الأشهر شكسبير» وأنهما، شكسبير وكريستوفر مارلو ما هما إلا الشخص نفسه، لكن هذه قصة أخرى- كتب، كأول من استدعى هذا الرمز الثقافي، سنة 1588م، عملا مسرحيا تحت اسم: التاريخ المأساوي لحياة وموت الدكتور فوستوس. تلاه المسرحي الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته، والذي نشر عمله المسرحي الشهير «فاوست» سنة 1808م. كتب بعدها الكاتب الروسي العظيم أنطون تشيخوف عملا قصصيا بعنوان: فاوست، واستمر هذا النبع في إمداد كتاب لا حصر لهم بموضوع لا يمكن الفكاك من سحر رمزيته، نجد هذا عند أوسكار وايلد في روايته الوحيدة، صورة دوريان غراي، وفيها يعقد البطل هذه الصفقة كي لا يفقد جماله الخارجي، بيع الروح مقابل الجمال، وعند فيرناندو بيسوا في قصيدة «هوامش على قصيدة درامية من فاوست»، كذلك في رواية المعلم ومارغريتا للكاتب الروسي ميخائيل بولغاكوف، بيع الروح مقابل الحب/التملك، كذلك وظف الألماني توماس مان، وابنه كلاوس مان هذا الرمز، توماس مان كتب رواية «دكتور فاوستوس: قصة حياة الموسيقي أدريان ليفركون يحكيها صديقه» حيث تم بيع الروح مقابل العبقرية، وعند ابنه كلاوس في رواية مفيتسو رواية نجاح وظيفي، بيع الروح مقابل النجاح الوظيفي الذي يتبعه بالضرورة نجاح اجتماعي.
وفي الأفلام أيضا تمت الاستعانة بهذا الرمز، ففي غير الأفلام التي عمدت إلى تجسيد شخصية فاوست بشكلها السردي، هناك من وظف رمزية البيع فقط، مثلما هو الحال في فيلم «THE DEVIL›S ADVOCAT» سنة 1997م. هذا تأُثير ممتد، وقل أن يتكرر بمثل هذا الحضور والطغيان، لرمزية ثقافية في أعمال فنية من سرد وشعر وموسيقى وفن تشكيلي، وحتى في سلسلة أنمي «BLACK BUTLE». هذه المقايضة التي تشكل صلب المعادلة، أي التخلي عن الروح، والتي ربما لا تكون الروح بشكلها الكلي دائما، ولكن قد يتم التخلي عن الجزء المشرق منها: الحق، أو الصدق، أو الجمال، في مقابل الحصول على مكسب، هي صفقة شيطانية في النهاية، مثلما هو الحال في المواجهة بين الخير والشر. تلك الصفقة التي لا بد أننا نلمحها، حتى خارج الكتابة والفن، في كثير من أحداث وشخوص العالم من حولنا، أي أنه رمز عميق ومتجذر عمق وتجذر النفس البشرية التي لا ينفك الضعف والطمع عنها. لذا لم يكن مستغربا مثل هذا التأثير لهذه الرمزية الثقافية في كل تلك الأعمال السابقة، ولا حتى تلك الأعمال التي ستستمر في توظيفها.
وأنا أبحث لإعداد هذا المقال كنت أتساءل عن رمزية ثقافية عربية لها مثل هذا التأثير في الأعمال العربية؟! ربما تكون إجابة هذا السؤال موضوع مقال قادم.

بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد