كتاب وأراء

ترامب بعد المائة يوم الأولى في البيت الأبيض

أثناء حملاته الانتخابية للفوز برئاسة الولايات المتحدة تبنى دونالد ترامب، جملة من الشعارات. بعض هذه الشعارات أغضبت العرب والمسلمين مثل توعده بطردهم من الولايات المتحدة وعدم السماح لهم بدخولها، ومثل التزامه بنقل السفارة الأميركية إلى القدس وإشادته بديمقراطية إسرائيل وسجلها في حقوق الإنسان، لكن بعضها الآخر لقت استحسانا في العواصم العربية الحليفة لواشنطن لأنه كان ذا صلة بالملفات الشرق أوسطية الملتهبة التي فشل الرئيس أوباما في التعاطي معها بجدية فكانت النتيجة اهتزاز ثقة تلك العواصم بواشنطن للمرة الأولى.
بدا واضحا من حملات ترامب ووعوده أنه بصدد إحداث نقلة في سياساته الخارجية يعيد بها هيبة بلاده ومكانتها على الساحة الدولية، إن قدر له دخول البيت الأبيض، وذلك من خلال سلسلة من القرارات المناقضة لقرارات سلفه الذي عـُرف بتخبطه وتردده.
وبقدر ما حبس المراقبون أنفاسهم يوم ظهور النتائج خوفا من فوز ترامب الموسوم بالتطرف والعنصرية وقلة الخبرة السياسية، فإنهم بالقدر نفسه حبسوا أنفاسهم بعد إعلان فوزه رسميا وطوال الأشهر التالية تحسبا لما سيتخذه من قرارات سياسية يترجم بها وعوده الانتخابية، خصوصا بعدما اختار لمعظم المناصب القيادية الحساسة شخصيات عسكرية معروفة بتصلبها، في مقدمتها وزير الدفاع جيمس ماتيس عدو الإيرانيين واكثر المطلعين على أنشطتهم التخريبية.
فماذا نقرأ الآن بعد مرور المائة يوم الأولى على فوز ترامب، وهي مدة اتخذت منذ عهد الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت في ثلاثينات القرن الماضي كمقياس لما ستكون عليه السنوات التالية من حكم أي رئيس وطريقة إدارته للشؤون الداخلية والخارجية؟
الحقيقة أن ترامب نفذ الجل الأعظم مما التزم به على الصعيد الخارجي مع استثناءات بسيطة لا زال النقاش دائرا حولها، مثل الموقف من الصفقة النووية مع طهران والتي وعد الرجل خلال حملته الانتخابية بتمزيقها. لكنه يبدو اليوم أكثر ميلا للإبقاء على الاتفاقية مع إعادة التفاوض على بعض بنودها بهدف ممارسة المزيد من الضغوط والعقوبات على النظام الإيراني كي تكف عن زعزعة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والعالم.
من خلال متابعة السياسات الترامبية حتى ساعة كتابة هذه السطور يمكن أن نلاحظ عليها أنها:
ـــ نقيضة تماما لسياسات أوباما الداخلية والخارجية، ناهيك عن تميزها بالحزم والحسم السريعين بعيدا عن التخبط والتردد.
ـــ تراعي بالدرجة الأولى مصالح الولايات المتحدة وإعادة الهيبة لدورها العالمي، ولا بأس من انتهاج البراغماتية سبيلا للوصول إلى الهدف.
ـــ ملتزمة بالدرجة الأولى بمحاربة الجماعات الإرهابية المتطرفة، وتحديدا تنظيمي داعش والقاعدة، وقد تجلى هذا عمليا في إنزال قوات أميركية على أرض اليمن للمرة الأولى في يناير المنصرم لمطاردة بعض رموز القاعدة، وضرب مواقع لداعش في أفغانستان في أبريل 2017 بأضخم صاروخ غير نووي، ناهيك عن استهداف مواقع ميليشيات داعش وحلفائها في سوريا والعراق واليمن.
ـــ جادة في إعادة الدفء إلى علاقات الولايات المتحدة بحلفائها العرب التقليديين، وذلك من خلال الإلتزام بأمنهم وحمايتهم، وإرسال رسائل واضحة إلى النظام الإيراني أن عهد السكوت على سياساتهم التوسعية المهددة للأمن والأستقرار قد ولى.
ـــ صارمة في التعامل مع الأنظمة المارقة التي تقتل شعبها (كالنظام السوري)، أو تلك التي تستفز جاراتها بالأعمال الحربية (كالنظام الكوري الشمالي). وقد تجلى هذا في قصف قاعدة الشعيرات السورية المسؤولة عن قتل أطفال خان شيخون بالسلاح الكيماوي، وتهديد نظام بيونغ يانغ بالإبادة إن استمر في تجاربه النووية والصاروخية. يضاف إلى ما سبق وضع المزيد من الكيانات والشخصيات الضالعة في القتل والإرهاب على القوائم السوداء وفرض العقوبات وتشديد الخناق عليها.
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني