كتاب وأراء

بشائر للثورة الزراعية .. السودان .. أيدولوجيا جديدة


- 1 -
قبل أكثر من خمسين عاماً، كتب الشاعرُ السودانيُّ الكبيرُ محمد المكي إبراهيم:
الحقول اشتعلَتْ قمحاً ووعداً وتمنِّي
والكنوز انفتحَتْ في باطن الأرض تُنادي.
السودان لا يزالُ يحلم بتحقُّق الوصف التاريخي (سلة غذاء العالم).

لم تكف وسائل التواصل الاجتماعي، عن تناقل صُور تلال القمح التي أنتجتها تجربةُ المُستثمر السعودي سليمان الراجحي في شمال السودان.
ثلاثون جوالاً للفدَّان الواحد، مملوءة قمحاً بلون الذهب، تمتدُّ حقولُه على مدِّ البصر. إنها فقط المرحلة الأولى وعلى الطريق المزيد من الإنتاج الوفير.
تجربةُ الراجحي هي الأولى من نوعها في زراعة التروس العليا لنهر النيل في شمال السودان.
تحقَّقت هذه النسبة العالية من إنتاج القمح، دون أيِّ تحسيناتٍ للتُّربة. المساحات المزروعة تُقدَّر بـ1500 فدان.
-2-
الأرض كاملةُ الأُنوثة، الأسمدة التي استُخدِمَتْ في الزراعة هي أسمدة طبيعية من دون الحاجة إلى أيِّ أسمدة أخرى.
مشروع الراجحي بدأ بعد اكتمال استصلاح مساحة المرحلة الأولى وزراعتها بمائة محور، لذا كان هذا الإنتاج الوفير.
تبدأ المرحلة الثانية - بألف محور– في الموسم القادم، وعلى أن تكتمل بمشيئة الله خطة إنتاج (280.000 طن).
هذا النجاح تحقَّق بسبب الدراسة والتخطيط، ثم الجد والاجتهاد وفيض رحمة الله.
-3-
الشيخ الراجحي في مُحاضرة ألقاها قبل فترة بقاعة الشيخ حمد الجاسر بجامعة الملك سعود بعنوان «تجربة الشيخ سليمان بن عبد العزيز الراجحي في القطاع الزراعي»؛ قدَّم نصيحة قيمةً للمُستثمرين الجدد: عليكم بالصبر والتأنِّي والسَّيْر على سلم الحياة، خطوةً خطوةً، مُتمثِّلاً بخطوات بناءِ حياته التي بدأت بمهنة حمال براتب ريال واحد إلى أن وصل إلى ما وصل إليه.
قبل فترة عرفت أن دكتور عبد الحليم المتعافي وزير الزراعة السوداني السابق، حقَّق نجاحاتٍ زراعيةً مُبهرةً في شراكاتٍ زراعيةٍ بالنيل الأبيض مع صغار المُزارعين، كان عائدها وفيراً «قمحاً ووعداً وتمني».
قناعتي لا تزال أن المتعافي من أنجح وزراء الزراعة الذين مرُّوا على السودان، لأنه صاحب رؤية واضحة وإرادة قوية، لكنه أُتِيَ من ثغرة الإعلام.
مجموعةٌ من الأصدقاء الإعلاميين، ليس أوَّلهم العزيز فوزي بشرى بقناة الجزيرة، ولا آخرهم صديقنا الحبيب محمد محمد خير، تسابقوا على شراء المزارع بالولايات وأطراف الخرطوم لزراعة البرسيم وتربية الضأن.
-4-
تلقَّيتُ قبل أيامٍ دعوةً كريمةً من السيد وجدي ميرغني محجوب من كبار المُستثمرين في المجال الزراعي بالسودان، ومن الزميلة الأُستاذة الفاضلة سمية سيد، لحضور المنتدى الإعلامي الثاني الذي نظَّمته فضائية (سودانية 24)، بفندق السلام روتانا تحت عنوان «الزراعة في السودان.. الفُرص والتحديات».
قبل أيَّامٍ أكرمني وجدي ميرغني بالورقة التي قدَّمها في المنبر عن تجربتهم في مجموعة (محجوب أولاد)، وهي تجربةٌ زراعيةٌ تُمثِّلُ علامةً فارقةً في تجارب القطاع الخاص الزراعية.
حيث استطاعت هذه المجموعة المُتميِّزة أن تُحقِّق إنتاجيةً عاليةً في مشاريعها المُمتدَّة على طول السودان وعرضه في القطاعين المطري والمرْوي.
مصدرُ نجاح هذه التجربة ومثيلاتها من تجارب القطاع الخاص السوداني، الخروجُ من الزراعة التقليدية، ذات الإمكانات الشحيحة والجدوى المُنخفضة، إلى النطاق العلميِّ الذي يُضاعف الإنتاج ويرفع سقف الأرباح.
-5-
ثورة زراعية خضراء تنطلق من السودان.
تجربة الراجحي في شمال تكفي كمثال، وقمح المُتعافي في النيل الأبيض يُوفِّر الدرس والعبرة، ومشاريع وجدي ميرغني في القضارف وشمال كردفان، تُعزِّزُ الفكرة.
مُلخَّصُ التجربة أنَّ العودة للأرض والزراعة والتعامل معها كأيدولوجيا للخروج من نفق الأزمات لا الاقتصادية فقط، ولكن السياسية والاجتماعية والإثنية التي تجعلنا نتحارب ونتباغض ونصطرع بأيادٍ كثيرةٍ على كعكة صغيرة.
-أخيراً-
حينما تعلو الزراعة كقناعة أيدولوجية وعقيدة اجتماعية، لن يكون السلاح هو الخيار ولا السياسة بفهم الجدال وبيع المواقف والسمسرة في الذمم هي خيار الصفوة للدخول لعالم السلطة والثروة والنفوذ.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال