كتاب وأراء

الزائد .. أخو الناقص

يقول المثل الشامي «الزائد أخو الناقص» كذا، ينتشر بين المصريين قول:«كل شيء يزيد عن حده ينقلب لضده». وقديماً أوصى الحكماء الإسكندر بالاعتدال، كونه لجاماً يمنع الإفراط ويعوق التفريط.
فيما آمن الإنجليز بمقولة الكاتب المسرحي براونينغ:
«LESS IS MORE» فعلى سبيل المثال:
- يعجز المبتدؤون في تعلم الطبخ من ضبط الطعم لإسرافهم في التوابل كنوع من «إكرام الطبخة» لكنها بالنهاية تفسد من كثرة الملح، في حين أن الطباخ المحنك يدرك أن الاعتدال هو جوهر الطعم الطيب.
- كذلك، قليلات من النساء يمتلكن قرار الامتناع عن الإفراط في التبرج، فتجد السيدة نفسها سيما لو تتجهز لحضور محفل، لا تستطيع الخروج من دارها إلا وقد ارتدت كامل حليها بسلساله، حلقه وسائر الطقم. في حين أن الإقلال من التزين يبرز الجمال ويأطره فيما تطمسه البهرجة. ثم يتشدقن بالبساطة مع عجز الكثيرات عن التطبيق.
- كذلك الإفراط في الاهتمام يولد الإحساس بالخوف من نوايا المهتم.
- والمبالغة في عمل نظام غذائي تؤدي لنكسة ونتائج عكسية من أثر الحرمان.
- سيل دعاوى جمع التبرعات يثبط الكريم في البذل خشية أن يقعد «ملوماً محسوراً».
- الإفراط في المداهنة يجعل الإنسان ليناً عرضة للكسر، فيما المبالغة في التيبس تحفز الآخرين على كسره!
- والوسطية بين «زر غباً، تزدد حباً» وبين «البعيد عن العين، بعيد عن القلب» تبرهن على أن قلة هم القادرون على تصويب زيارتهم، فيُستقبَلون كطلعة هلال رمضان، ثم يغيبون بقَدَر لكيلا ينسون؟
- وأقل منهم من يتوغلون في الدين برفق، فيُنَفرون بتطرفهم ويشوهون دينهم بجنوحهم للمبالغة.
ويقول المؤرخ الانجليزي ديورانت: «من يبعد عن الوسط الذهبي يخوض تجارب مريرة وانكسارات روحية لأن التطرف الواحد يقود بسهولة إلى الآخر، والمتطرفون ينظرون إلى الوسط الذهبي على أساس كونه رذيلة فيتقاذفون المعتدل كما الكرة، فالجبان يعتبر الشجاعة تهوراً فيما ينظر المتهور للشجاعة على أنها جُبن».
فالتحذير من التطرف بالغ الأهمية لأن البعد عن الاعتدال يقود للشطط. والشطط مشتق من الشط أو الشاطئ وهو الحافة أو الطرف البعيد جداً عن البحر.
ومن الشطط اشتق كلمة الشيطان فهو من يشط أو يبعد بأفكاره أو أعماله عن حافة أو طرف الاعتدال، ما يفسر وجود شياطين أنس كما الجن في دنيانا.
فالزيادة كما النقصان يعدلان الشطط.
فإبليس لم يشط وينال اللقب لأنه أذنب، فآدم بالتوازي ارتكب ذنباً، لكن الفداحة أن إبليس تطرف في الخطأ وأصر فشط، فيما ندم آدم وأناب واستغفر.
ومن بني آدم من عرف عنهم بشياطين الإنس، لتماديهم في غيهم. وقد نادت الأديان السماوية بالاعتدال، فنبينا (صلى الله عليه وسلم) ورد عنه قول:«خير الأمور الوسط».
وقد وصف الإنجليز الوسطية بـ:
«THE HAPPY MEDIUM» ومن قبلهم، دعا الإغريق للوسط الذهبي، بل لقد توأم أرسطو بين الوسطية والسعادة وجعلها مسببا للسعادة فقد ورد عنه: تتوقف الفضيلة على الوضوح وضبط النفس أمام الرغبات وممارسة الاعتدال، ولا يملكها الإنسان البسيط، لكنها تتأتى نتيجة خبرة الإنسان المتطور، اليقظ. وطريق بلوغ السعادة والفضيلة هو طريق الوسط الذهبي، حيث تُنَظم الأخلاق في شكل ثلاثي يكون الطرفان الأول والأخير فيه تطرفاً ورذيلة. بينما الوسط يكون فضيلة.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي