كتاب وأراء

كـــثـــيـــراً مــا نـــقــــرأ

• نعرف «السلق» وهو وضع الشيء في ماء يغلي حتى ينضج ويصبح صالحاً للأكل، والسلائق: ما سلق من البقول، وكل شيء طبخته بالماء بحتاً، فقد سلقته، ونعرف البيض المسلوق واللحم المسلوق وغيرهما، ولكننا نقرأ قوله تعالى في سورة الأحزاب «فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد» وهي المرة الوحيدة التي ورد فيها فعل «سلق» في القرآن الكريم.
نستنتج بسرعة دون تأكد أن «حداد» تعني حادة، ونعود إلى المعجم فنجد استنتاجنا صحيحاً ولكن! كيف يكون السلق كما بيناه بألسنة؟ هنا معنى آخر للفعل، سلقه بلسانه يسلقه سلقاً: أسمعه ما يكره فأكثر. وسلقه بالكلام سلقاً إذا آذاه، وهو شدة القول باللسان. وتفسير الآية الكريمة «سلقوكم بألسنة حداد» أي بالغوا فيكم بالكلام وآذوكم بألسنة سليطة، وقد يكون لأن السلق: الضرب. وسلقه بالسوط وملقه أي نزع جلده، فكأن من يسلق بالكلام يضرب بالسوط حتى ينتزع الجلد، وقد نقبل الاستعارة من السلق بالمعنى الأول، فكأنه حين يؤذي بالكلام يضع من يسلقه في الماء الحار أو يغليه.
• قرأت مقالاً يتحدث فيه كاتبه عن: «حلف»، سياسي أو جيو/استراتيجي، بين روسيا وإيران والعراق وتركيا (واستطراداً إسرائيل) ووضع لمقالته عنوان: «الحلف» الذي انتهى كما بدأ... ضغث حلم. ويهمني من هذا العنوان كلمتا «ضغث حلم» وتذكرت قوله تعالى في سورة يوسف «قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين» ووردت الكلمة مرة أخرى في سورة الأنبياء «بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراء بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون» والقول «أضغاث أحلام» مألوف وإن كان كثيرون لا يعرفون معناه، ولكننا نتحدث عن «ضغث» ونستنتج أنه مفرد «أضغاث» وبحثت ووجدته في القرآن الكريم في آية مفردة في سورة «ص» قال تعالى «وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث» فهو أولاً ضِغْثٌ (بكسر الضاد) ولكن! كنا نتحدث عن الأحلام ولا ينطبق هذا على قوله تعالى: خذ بيدك ضغثاً. الضِغث قبضة من قضبان مختلفة يجمعها أصل واحد كالأسَل والكراث، قال الشاعر: كأنه إذ تدلى ضِغث كُراث، وقيل: الضغث مقدار الحزمة أو قبضة اليد من الحشيش أو البقول أو ما شابه ذلك، والجمع أضغاث، والضغث: الحلم الذي لا تأويل له، وأضغاثُ أحلام الرُّؤيا: التي لا يصحُّ تأويلها لاختلاطها، وكان الأسهل للقارئ أن يقول الكاتب: أضغاث أحلام، فلعله يفهم المقصود، أما الضغث فما أظن أحداً يعرفه.
• لعلي تحدثت عن هذا من قبل، ولكنني ما زلت أقرأ كثيراً «وثمة خيط رفيع يفصل بينهما» وأقرأ أيضاً «وقام بينهما جدار سميك» والصفتان خطأ، وتذكرون رواية للراحل إحسان عبد القدوس تحولت إلى فيلم سينمائي عام 1971 عنوانها «الخيط الرفيع» والسائد في الكتابة أن الرفيع تعني الرقيق أو النحيل أو الخفيف، لكن «الرفيع والسميك» تعنيان شيئاً آخر.
الرفـيع هو السـامي وهو نقيض الوضيع، ألا نقول دائماً «وفد رفيع المستوى»؟ وقـد انتـبه مجمع اللغـة العربية في القاهـرة إلى هذا الأمر فقال إن «السـميك» كلمة مُحدثـة وتعـني الغليـظ الثخين (ولم يقل إنها نقيض الرفيع التي أقرها بمعنى الرقيق النحيل) وترد هـذه الكلمة في الأحاديـث والكتابـات الصحـفـية وحتى الأدبيـة والشـعـرية «وقام بينهـما جدار سـميك من الشـك» ونقبل هذه الكلمة لأنها غير موجودة في المعاجم القديمة بهذا المعنى، وما نجده هوأن السَّمْك يجيء في مواضع بمعنى السقف. والسـماء مَسْمُوكة أي مرفوعة كالسَّمْك. وروي عن علي، رضي الـلـه عـنه أنه كان يقول: وسَـمَك الـلـه السـماء سَـمْكاً رفعها. وسَـمَك الشيءُ سُـمُوكاً: ارتـفع. والسَّـامِك: العالي المرتفع. هل تذكرون بيت الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمُه أعزّ وأطولُ
من طرائف هذا البيت أن أحدهم ظن أنه يحرج الفرزدق حين سأله: أعز وأطول ممَّ يا أبا فراس؟ (أعز وأطول اسـما تفضيل فتـقول: نهر النيل أطول من نهر الأمازون) لكن الفرزدق كان مسـتعداً لهذا، فقد أذّن المؤذن وقال: الـلـه أكبر، فقال الفرزدق: يا لـُكـَع (أحمق)، أكبر من ماذا؟
• قرأت مؤخراً في خير وفاة أحد الفنانين «توفي في مستشفى.... بعد أن نقل إليها» وقد تقرأ وكثيراً ما قرأنا «ونقل إلى إحدى المستشفيات» والخطأ هنا في «تأنيث» المستشفى، والصحيح القول: «إلى أحد المستشفيات» (وبالمناسبة يصح القول: إلى أحد المشافي والمفرد مشفى) وهذا خطأ شائع على ألسنة وأقلام كثير من الناس، وقد جمعت من الصحف بعض الكلمات التي يؤنثونها بوضع كلمة «إحدى» قبلها: التوجهات، الاحتمالات، التحديات، المقاهي، الممرات، المؤتمرات، المؤشرات... الخ، وهكذا، ولعـلكم قرأتـم كثيراً من هذا، حـتى إنني قـرأت في مقـالة لكاتب يحمل الدكتوراة «إحدى أسباب» يا للمصيبة.
في مبحث جمع المؤنث السالم نجد أن ما يُجمع جمع مؤنث سالم عشرة، منها صفة المذكر غير العاقل كأن نقول جبل شاهق وجبال شاهقات. كيف السبيل لنعرف إن كنا سنستخدم «أحد» أو سنستخدم «إحدى»؟ الأمر بسيط، نعود إلى مفرد هذا الجمع، وهي في الأمثلة التي أوردتها: مستشفى، توجه، احتمال، تحدٍّ (التحدي) مقهى، ممرّ، مؤتمر، مؤشر. أما إذا قلنا: في إحدى الندوات، فإن القول صحيح، لأن المفرد ندوة، في إحدى الردهات: المفرد ردهة.
• قرأت مؤخراً عنواناً كثيراً ما نقرأ مثله: ماذا لو ألغت إسرائيل حل الدولتين؟ وتلاحظون أن صيغة التساؤل تعني: ماذا نفعل إذا ألغت إسرائيل مستقبلاً حل الدولتين. وكتب آخر: ستعمل المنظمة لو سمح لها على تأديب.. ويكتب كثيرون ويقولون: لو يتحد العرب سيكونون قوة عظيمة. هذا كله خطأ، ومكمن الخطأ استعمال «لو» للمستقبل، وتعريفها في كتب النحو «حرف امتناع لامتناع» أي امتناع شيء أو أمر لامتناع شيء أو أمر آخر، والمثل المشهور «لو زرتني لأكرمتك».
والقاعدة أنها لا تدخل إلا على الفعل الماضي، ونادراً ما تدخل على الفعل المضارع، لكنها لا تأتي مع المستقبل مطلقاً، والقاعدة الثانية أن الجواب يأتي دائماً مقترناً بحرف «لـ» كقولنا: لو نزل الغيث لاخضرت الأرض. قال النبي صلى الـلـه عليه وسلم قال: «لو كان لي مثل أحُدٍ ذهباً، لسرّني أن لا تمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيءٌ إلا شيءٌ أرصده لدين» وقال «لو أنكم تتوكلون على الـلـه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير».
ولا يكتمل الحديث عن «لو» دون الحديث عن نقيضها «لولا» فإذا كنت الأولى «حرف امتناع لامتناع» فإن الثانية «حرف امتناع لوجود» في الأولى امتنع شيء أو أمر لامتناع شيء أو أمر آخر، وفي الثانية يمتنع شيء أو أمر «لوجود» شيء أو أمر آخر. قال تعالى في سورة الحج «ولولا دفعُ الـلـه الناسَ بعضَهم ببعضٍ لهُدِّمَت صَوامعُ وَبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجِدُ يُذكَرُ فِيها اسمُ الـلـه كثيراً» وقال صلى الـلـه عليه وسلم «لولا أنكم تذنبون لخلق الـلـه خلقاً يذنبون فيستغفرون فيغفرُ لهم».

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين