كتاب وأراء

الدورة الأولى للرئاسيات الفرنسية

كما كان متوقعاً بالنسبة لأغلب الملاحظين ومعاهد سبر الآراء، فقد نجح مرشح الوسط السيد «مانويل ماكرون» والسيدة «مارين لوبان» مرشحة الجبهة الوطنية في بلوغ الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت يوم الأحد الفارط بفرنسا.. بالتالي فقد خرج من السباق الانتخابي كل من مرشح اليمين السيد «فرانسوا فيون» ومرشحا اليسار الاشتراكي والراديكالي «بنوا هامون وجون لوك ميلنشون».
كثيرة هي القراءات التي تنبأت بهذه النتيجة الموضوعية تقريباً بمراعاة طبيعة السياق الذي جرت فيه ومجموع العوامل التي حسمت النتيجة لصالح هذين المرشحين دون الآخرين.. فبالنسبة للمدرسة الاشتراكية التي تعاني منذ عقود من تهرم قياداتها ومن عجزها الكبير أمام التغيرات الطارئة والمتسارعة على الساحة الأوروبية والدولية، فإنها تعتبر الخاسر الأكبر من هذا السباق.
فرغم صدور المرشح ماكرون عن البوابة الاشتراكية، حيث كان وزيراً للاقتصاد الرقمي في حكومة السيد هولاند، فإن توجهاته السياسية والاقتصادية العامة تعتبر توجهات يمينية لبرالية أكثر منها توجهات اشتراكية اجتماعية.. أما السيد ميلونشون الذي حقق نسبة لا بأس بها أمام منافسيه، فإنه لا يعبر في الحقيقة إلا عن حالة من الغضب الشعبي وردة الفعل الحانقة على السياسة الفرنسية بشكل خاص.
المشهد الفرنسي لن يتغير كثيراً في الحقيقة بسبب هذه النتائج التي كانت متوقعة بحكم السياق الذي وردت فيه وبسبب تحكم عوامل خارجية كثيرة في المشهد الفرنسي الذي لا يجب أن يخضع إلى الإكراهات الداخلية فحسب.. هذا الاستنتاج يحتم من جهة أخرى أن يكون مرشح الوسط السيد ماكرون هو الرئيس الفرنسي القادم، وكما أشار أغلب المراقبين فإن من سيكون في الدور الثاني مع السيدة لوبان هو رئيس فرنسا بقطع النظر عن اسمه.
هذا المشهد الجديد يعكس دون شك أزمة حقيقية داخلية تعاني منها فرنسا بشكل عام وذلك في كل القطاعات، خاصة القطاع الاقتصادي المتضرر من صعود اقتصادات أوروبية قوية مثل ألمانيا وتهديدات روسيا الطاغية وصعود اقتصاد الصين المنافس الأبرز للمنتجات الفرنسية.. كما أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي واستفراد ألمانيا القوية برأس القاطرة هو الذي جعل من الدور الفرنسي دوراً ثانوياً، مقارنةً بما كان عليه خلال العقود الفارطة.
بناءً عليه فإن الحاجة إلى قيادة سياسية قوية قادرة على الخروج بفرنسا من حالة الجمود الاقتصادي والسياسي وآثارهما الاجتماعية هي التي تفسر هذا التوزع الكبير لأصوات الناخبين.. فكيف نفسر حصول المرشح الاشتراكي بنوا هامون على نسبة ستة بالمائة من أصوات الناخبين في حين كان المعسكر الاشتراكي منذ سنوات قليلة يحتفل بهيمنته على الحياة السياسية الفرنسية؟ وكيف يمكن أن نفسر هذا الصعود الصاروخي لمرشحة اليمين العنصري المتطرف السيدة لوبان في ظرف زمني وجيز؟ وكيف يمكن أن نفسر أيضاً هذا التطور المفاجئ لرجل سياسي مغمور بحجم مانوال ماكرون في الفوز بالمركز الأول في الدور الأول للانتخابات الأخيرة.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد