كتاب وأراء

شكرا لك يا صديقي

في القرن السابع عشر ظهر طبيب يختلف عن بقية أطباء عصره وكل العصور تقريبا، إذ كان يعمد إلى بث جو من المرح والبهجة أثناء تشخيص حالة المرضى ووصف الأدوية المناسبة لهم، وكان لا يمل من تكرار هذه الجملة وعن اقتناع «ان وصول مهرج مضحك إلى مدينة ما.. يفيد أهلها بأكثر مما يفيدهم وصول عشرين بغلا محملا بالعقاقير والأدوية» وكان شعاره: «اضحك تضحك لك الدنيا» وبعد عدة قرون تبنى طبيب أميركي يدعى «آدم باتش» هذا الشعار، وعمل به متحديا كل الانتقادات التي وجهها له زملاء المهنة، أن اخطر الامراض من وجهة نظره هو اللامبالاة، لذا افتتح مستشفى خاصا لعلاج القادرين وغير القادرين بالدعابة أولا وقبل كل شيء، مستشفى شبه مجاني وقائم على التبرعات والمساعدات، ويستقبل الجميع بلا استثناء.
ويذكر «باتش ادامز» أنه حين كان طالبا يدرس الطب وجد أثناء التدريب العملي أساتذته الأطباء يتعجرفون ويتعالون على مرضاهم الذين لا يُعرفون لديهم بأسمائهم وإنما بأسماء الأمراض التي يحملونها. وكان أكثر المشاهد الاإنسانية من وجهة نظره هو دخول مجموعة من الأطباء وطلابهم حجرة مريض والتفافهم حوله أثناء الكشف. وجدالهم ولا مبالاتهم وكأن المريض الذي يتناقشون حوله غير موجود، وشاهد باتش ادامز اثناء ممارسته الطب، كيف أصبحت مهنة الطب مجرد مصدر للثراء والجاه الاجتماعي للأطباء. وكيف يخفون أخطاء بعضهم البعض في الوقت الذي يظهرون فيه أمام مرضاهم بصلف وغرور.
وخَلص «باتش» إلى ان العلاج الطبي يمر بأزمة لا تنفصل عن أزمة الحياة العائلية والحياة الاجتماعية الموجودة في المجتمع. حيث أصبح الطب أكثر الخدمات غلاءً. ومن معايشة المرضى اكتشف أنهم يعانون، أكثر ما يعانون، من الألم النفسي والروحي النابع من الوحدة والآمال المحبطة.. فهم غير سعداء بأنفسهم أو بحياتهم. وفي حاجة إلى إنعاش روحي. ولهذا وجد نفسه يقود ثورة اجتماعية سلمية من خلال المستشفى الذي أنشأه، كما نظم رحلات سنوية يجوب فيها العالم مع عدد من الاطباء الذين آمنوا بطريقته، وهم يرتدون ملابس ملونة ومضحكة ويضعون أنوفا حمراء كالتي يضعها المهرجون، بهدف إشاعة البهجة في قلوب المرضى وخاصة الاطفال، وتقوم فلسفة «باتش» على ان الصحة تعتمد أساسا على السعادة. والسعادة تأتي من الضحك والشعور بدفء العلاقات الأسرية.. والأصدقاء.. والرضا في العمل.. والإحساس بجمال الطبيعة والفن... ومن خلال المحاضرات التي يلقيها في الجامعات والمؤتمرات الطبية يُمول مشروعه الخيري ويدفع المستحقات التي تتطلب الدفع. كما يعرض أفلاما مصورة للحالات التي شفيت عن طريق الضحك والمرح والاهتمام.. وقد بدأ معهده الطبي من منزله. واعتمد على المتطوعين من أطباء ومعالجين. ويدمج الرعاية الطبية بالتسلية والمتعة والصداقة بين المريض والمعالج. حيث يشترك الجميع مرضى وأطباء في أعمال مختلفة تشمل تربية الحيوانات والزراعة في المزرعة الملحقة بالمعهد. والأعمال الفنية واليدوية.. وحقا كم نفتقد الآن وأكثر من أي وقت مضى وجود مثل هؤلاء الأطباء.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري