كتاب وأراء

لو تعرفون

لا أدري ما إن كان من الممكن أن يتعافى المرء من آثار كلمات سخيفة وقاسية قيلت له في أحلك لحظات حياته «لحظة الفقد» فقد عزيز، غاب ولن يعود!
عن نفسي كلما تذكرت كيف كان البعض ينتحي بأختي التي لم تكمل أعوامها الثلاثة جانبا ليسألوها «كيف ماتت أمك؟» أشعر بغضب عارم وكأن الأمر حدث بالأمس.
وأخبرتني سيدة فقدت بناتها الثلاث في حادثة شنيعة أنها لم تصدم حين سألتها إحدى من جئن لتقديم واجب العزاء عن شعورها فحسب، وإنما من الصمت الذي أعقب هذا السؤال، وعلامات الفضول التي ارتسمت على الوجوه، بدا كما لو كن جميعا يرغبن في سماع الإجابة، ليس هناك استياء أو تعاطف.. مجرد فضول!!
في مثل هذه المواقف اللا إنسانية تود لو كان بمقدورك أن تتصرف كما تصرف نابليون مع تاجر الفراء، لقد أنقذ التاجر نابليون وخبئه تحت معاطف الفراء، بعد أن انفصل بالخطأ عن قواته، وحين اقتحم الروس المتجر بحثا عنه، أنكر وجوده، لكنهم ظلوا يغرسون سيوفهم الواحد تلو الآخر في أكوام الفراء منتظرين أن تصدر آهة واحدة تدل على أن هناك أحدا، كل ذلك والتاجر يكاد يموت رعبا،لأن موته مرهون بإيجاد الهارب، وبعد فترة مرت كالدهر استسلم الجنود وخرجوا، وتسلل نابليون من تحت الأغطية الناعمة دون أن يصاب بخدش، ووصل حراسه الشخصيون والتفوا حوله، عندها تجرأ التاجر وسأله عن شعوره وأقدام الجنود الشرسة تكاد تدوسه وسيوفهم تكاد تخترق جسده، وأعقب هذا السؤال بسؤال:«فقط أريد أن أعرف؟» ولم يغفر الإمبراطور هذه الجرأة.. ووجدها وقاحة أن يوجه أحدهم أيا كان هذا السؤال لأي كان، فطلب من جنوده أن يسحبوه للخارج ويعصبوا عينيه، ويضعوه قبالة الحائط تمهيدا لإعدامه بالرصاص، وبالكاد كان التاجر يستطيع الوقوف، إذ كان جسده يرتجف وهو يسمع تحركات الحراس من حوله، وأصوات البنادق وهي تتأهب لإطلاق الرصاص عليه، ثم سمع صوت نابليون يتنحنح ويطلب من جنوده الاستعداد، في تلك اللحظة أيقن التاجر أن ما تبقى له في الحياة دقائق وربما ثوان، فانتابه الحزن ووجد نفسه يبكي بصوت عالٍ ويتمتم بكلام غير مفهوم، وبعد فترة ساد الصمت، وسمع صوت خطى تقترب منه وتزيح العصابة من عينيه، ولذهوله كان من فعل ذلك نابليون بنفسه، والذي قال له بهدوء: «الآن أنت تعرف».

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري