كتاب وأراء

أسطورة قانون الانتخاب

يعيش اللبنانيون حال من الضياع والقرف بفعل «دهاليز» قانون الانتخاب التي أدخلهم فيها السياسيون، والتي تهدد بانفراط العقد التأسيسي للبنان وصيغة العيش بين مكوناته. البحث عن قانون انتخاب جديد بحجة «صحة التمثيل وعدالته» أصبح كمن يبحث في جنس الملائكة؛ هذا البحث الذي يستمر منذ أشهر طويلة، لا بل منذ سنوات، يتكرر عند كل استحقاق انتخابي لتجديد انتخاب ممثلي الشعب في مجلس النواب.
الكل يلعن القانون الحالي الساري مفعوله منذ عشرات السنين، الذي يقوم على مبدأ نظام الاقتراع الأكثري، والذي تم وضعه عام 1960 مع بعض التعديلات الطفيفة تطال حجم وتقسيم الدوائر. باستثناء فترة الاحتلال السوري بين عامي 1990 و2005، التي تم خلالها تكبير الدوائر وجعل المحافظات دائرة انتخابية كي يتسنى للنظام السوري ايصال من يريد إلى البرلمان عبر اللوائح-البوسطات المعلبة سلفا. وبعد اضطرار الجيش السوري إلى الانسحاب على اثر اغتيال رفيق الحريري، تمت العودة إلى قانون 1960 («اتفاق الدوحة» - 2008) الذي اعتبره يومها تيار الرئيس الحالي ميشال عون انتصارا «يعيد الحق إلى أصحابه». وتمت انتخابات عام 2009 على أساسه، وأدت إلى فوز قوى 14 آذار «السيادية» في مواجهة فريق 8 آذار «الممانع» بقيادة «حزب الله».
اليوم تحللت قوى 14 آذار وأصبحت من الماضي، وتمت عملية خلط للأوراق وتوليف طبخة جديدة-قديمة مع انتخاب عون رئيسا بعد مقاطعة وممانعة وتعطيل للمؤسسات دامت سنتين ونصف السنة، والتأمت معظم القوى بتوافق زائف وهش في حكومة واحدة «من أجل مصلحة البلد». وأعلنت الحكومة الجديدة ان مهمتها الأولى هي وضع قانون انتخابي جديد يؤمن صحة التمثيل، وينصف كل المكونات السياسية والمجموعات الطائفية. ومنذ ذلك التاريخ، أي قبل أربعة أشهر، والبحث دائر عن صيغة هذا القانون السحري.
ثم بدأت عملية تدويخ اللبنانيين عبر رمي في التداول مشاريع وصيغ لأفضل قانون انتخابي، من النظام القائم على النسبية ضمن لبنان دائرة انتخابية واحدة، إلى آخر يقوم على تركيبة مختلطة تجمع في الوقت عينه بين النسبي والأكثري في دوائر متوسطة، إلى ثالث يدعو إلى نظام تأهيلي للمرشحين، كل في دائرته الصغرى وبحسب انتمائه الطائفي، لينتقل بعدها المتأهلون إلى الدائرة الأكبر على أساس النظام النسبي. فيما طرح آخرون نظام الدائرة الفردية والصوت الواحد، وغيرها من البدع التي لا تنتهي، والأحابيل التي لا ينتهي معها الجدل ويتحول إلى صراع مفتوح ومكشوف، تفوح منه رائحة التعصب الطائفي والمذهبي، للاستئثار بأكثرية المقاعد والهيمنة على القرار.
وهكذا تم استنفاد كل القوانين والمهل الدستورية، في نهاية فبراير الماضي، التي تحدد مواعيد دعوة الناخبين وتنظيم الاشراف على الانتخابات. لتعود اللعبة في هذه الأيام إلى بداياتها، ويعود الحديث عن التمديد للمجلس النيابي، الذي سبق ومدد لنفسه مرتين منذ عام 2009، مقابل تهديد رئيس الجمهورية بالفراغ النيابي والدستوري لمنع التمديد، ومنع العودة إلى قانون 1960 الذي سبق ان اعتبره عون انتصارا وخاض تياره الانتخابات على أساسه في الانتخابات الماضية.
الكباش قائم ومستمر، والمهزلة مستمرة ومقززة، والتلاعب بعقول وأعصاب اللبنانيين كذلك. بدون أي حياء أو خجل، وبدون أدنى شعور بالمسؤولية. الا اذا كان القصد استجلاب أي تدخل خارجي «انقاذي» في حمأة الغليان والفوضى التي تسود المنطقة.
انه اللعب بالنار الحارقة التي ستحوّل لبنان إلى دولة فاشلة! .

بقلم : سعد كيوان

سعد كيوان