كتاب وأراء

على هامش رحيل عميدة البشرية

رغم ان جدتي تجاوز عمرها قرنا من الزمان قبل أن ترحل عن عالمنا منذ عقد واحد إلا أنني، رغم ان الاعمار بيد الله، لا أعقد أملا كبيرا ان اعيش عمرا طويلا كما عاشت الإيطالية إيما مورانو صاحبة لقب عميدة البشرية، التي توفيت قبل أيام قلائل عن عمر تجاوز 117 عاما، ولا الجاميكية فيوليت براون، التي أتمت عمر 117 في 10 مارس الماضي، والتي ورثت لقب عميدة البشرية بلا منازع، ولا حتى أعيش عمر جدتي التي تجاوز عمرها القرن بقليل.
لا أكتمكم سرا أنني أنافس مجموعة أبحاث علم الشيخوخة، التي هي هيئة أميركية تتعقب هؤلاء الفائقين في العمر، بقدرات بحثية متواضعة، محاولا تقصي أسبابا جعلت هؤلاء الطاعنين يعيشون كل هذا العمر الطويل، ماذا يأكلون ويشربون، وما هي سلوكياتهم الحياتية التي حفظتهم إلى هذا العمر، ولكن كانت أولى الصدمات في هذا التقصي الغريب، هو ان كل الطاعنين في العمر سيدات، وليس بينهن رجل واحد، أي أنه لا مجال أمامي لمنافستهن، فليس من المجدي النزول إلى هذا المضمار الذي كل متسابقاته من السيدات، فهن يعشن أطول، فيوجد: «عميدة للبشرية» وليس «عميدا للبشرية»، اذ تبقى حياتهن طويلا بعكس الرجال الذين يقصف عمرهم مبكرا، من فرط وتأثير الأزمات التي يواجهونها، وربما للتوتر المترتب على مسؤولياتهم بالحياة وبأعمالهم، فنحن الرجال تكون سنوات عمرنا من خريف، أما هن فسنوات عمرهن من ربيع دائم، فالمرأة يكفي لها ان تكون جميلة وأنيقة، لتجد أمامها كل ما تريده وتتطلع إليه، وفي كل مجتمعات الكرة الارضية سنلاحظ بوضوح ان متوسط عمر المرأة يزيد غالبا عن نظيره للرجل.
لكل ذلك لابد من الامتثال إلى هذه الحقائق التي يجردها البحث، من غير يأس انه لا مانع من أن يسعى المرء إلى الاطلاع على أسباب بلوغ هذه الشيخوخة السعيدة، بالاعتماد على الزبادي والامتناع عن اللحوم الحمراء وتفضيل الاسماك واللحوم البيضاء عليها.. الخ، ولكنني وجدت ان السيدة الايطالية إيما مورانو كانت تلتهم في اليوم بيضتين نيئتين، وأن هذه العادة سر من أسرار عمرها الطويل، فصرت أضرب كفا بكف، فجدتي التي توفيت عن عمر يزيد قليلا عن القرن كانت تفعل الشيء ذاته، أي تأكل بيضتين في اليوم، ولكنها كانت تسلقهما ولا تلتهمهما، كما كانت الايطالية مورانو تفعل، فضلا عن الفارق في الحجم بين البيض الايطالي، والبيض البلدي «المسخوط»، كما ان الايطالية عميدة البشرية سابقا كانت تأكل اللحوم، ولا تتحفظ عليها بمثل تحفظاتنا، ولا تكثر من الخضراوات والفواكه كما ينصحنا أطباء هذا الزمن، أي ان بدنها كان مضادا للكوليسترول، فتأكل البيض نيئا وتلتهم لحوما دون ان تتصلب شرايين قلبها أو تضيق بسبب الكوليسترول الذي يحذر الأطباء في هذا الزمن من مخاطره، لتكتشف في نهاية الأمر انه فضلا عن الايمان المطلق بان الاعمار بيد الله، فانه ايضا لا توجد قواعد ثابتة ونهائية ومقطوع بصحتها تضمن بلوغ لقب عمادة البشرية، هذا اللقب الذي أحزن بشدة لحجبه المزمن عن الرجال!

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي