كتاب وأراء

الساخرون من أنفسهم

كان المراقبون في الحرب العالمية الأولى إذا أرادوا الحديث عن أحد الجيوش الأوروبية والذي كان ضعيفا قالوا «في 11 محاولة قام بها هذا الجيش لاجتياز حدود بلاده بغية احتلال منطقة قريبة لم يخسر إلا في 11 مرة»!
سخرية لاذعة لا يرتاح منها بالطبع المقصود بها ولا يقبلها. وفي لهجاتنا الشعبية الخليجية من السخرية المثيرة للدهشة والضحك ما يفوق ذلك بعشرات المرات، من ذلك على سبيل المثال عند الحديث عن شخص لا تعجبنا تصرفاته أو أنه متهور ولا يسمع الكلام يتم وصفه بصفة ليست فيه ومناقضة فيقال «فلان العاقل»، حيث يكون المقصود عكس ذلك تماما، أي فلانا ذا التصرفات غير السوية أو المتهور! وفي هذا السياق تتوفر الكثير من الأمثلة المحرضة على تناول مفهوم السخرية.
حسب التعريفات فإن «السخرية طريقة من طرق التعبير، يستعمل فيها الشخص ألفاظاً تقلب المعنى إلى عكس ما يقصده المتكلم حقيقة»، وهي أيضا «النقد والضحك أو التجريح الهازئ». وفي شرح هذه التعريفات فإن «غرض الساخر هو النقد أولاً والاضحاك ثانياً، وهو تصوير الإنسان تصويرا مضحكا إما بوضعه في صورة مضحكة بواسطة التشويه– الذي لا يصل إلى حد الإيلام– أو تكبير العيوب الجسمية أو العضوية أو الحركية أو العقلية أو ما فيه من عيوب حين سلوكه مع المجتمع، وكل ذلك بطريقة خاصة غير مباشرة»، وهذا يختلف عن التهكم الذي هو عبارة عن «سخرية ولكن بنية عدوانية».
في السخرية يتم وصف الطويل بالقصير، والقصير بالطويل، والضعيف جسمانيا بالمتين، والمتأخر دراسيا بالـ«فلتة»، ويتم الاتفاق مجتمعيا على تسمية معينة يفهم منها أن المقصود بها هو فلان الذي تختلف صفاته عن هذه الصفة وتناقضها. وبسبب تأثير السخرية وأهميتها صار هناك نوع من الأدب يسمى الأدب الساخر، وصار كثير من الشعراء يوظفون هذا الأمر في قصائدهم، والمسرحيون في مسرحياتهم، والروائيون والقاصون في رواياتهم وقصصهم. وصار إطلاق صفة الكاتب الساخر على بعض الكتاب أمرا عاديا وتميزا. برناردشو الإنجليزي مثلا لا يذكر اسمه من دون صفة الكاتب الساخر، وهكذا مع كتاب آخرين في كل العالم.
وإذا كان الطبيعي هو أن يزعل الشخص الذي تقع عليه السخرية ويتأثر وقد يتخذ من الساخرين منه موقفا فإن غير الطبيعي هو أن يسخر الشخص من نفسه، ومن هذه الحالة يتوفر الكثير ويستدعي الدرس والبحث خصوصا في الفئة الأقل تعليما والتي يعيش أفرادها وضعا اقتصاديا متدنيا، فعندما يصل الإنسان إلى مرحلة السخرية من نفسه ومن حياته ووضعه فإن هذا يعني أنه وصل إلى مرحلة صعبة وأنه يعاني من حالة نفسية غير عادية تتطلب العلاج، وإن كان يفعل ذلك وهو يضحك في حضور الآخرين.
السخرية من الذات مسألة غير طبيعية وليس من العدل ترك أفرادها من دون علاج، حيث الأذى هنا لا يقتصر عليهم فقط ولكنه قد يمتد إلى المجتمع بأكمله.

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن