كتاب وأراء

انقلاب في فرنسا على الأحزاب التقليدية

نتائج الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية في فرنسا لم تكن سوى انقلاب سياسي قام به الشعب ضد الاحزاب السياسية التقليدية التي تتداول السلطة في البلاد منذ عقود، وهما الحزب الجمهوري و الحزب الاشتراكي، كما وجه الشعب صفعة للسياسيين الفاسدين وعلى رأسهم فرانسوا فيون الذي من المقرر ان يتوجه فور اعلان النتائج النهائية للجولة الاولى ليسلم نفسه للمحققين الفرنسيين الذين يحققون معه بتهم الفساد من خلال مليون يورو حصل عليها جراء وظائف وهمية لزوجته وولديه.
ورغم ان نتائج الجولة الاولى من الانتخابات قادت للجولة الثانية كلا من المرشح المفاجأة الشاب ايمانويل ماكرون الذي كانت فرصه شبه منعدمة قبل عدة اسابيع بسبب ضعف خبرته السياسية وعدم معرفة الفرنسيين به بشكل كاف لينافس مرشحة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة جان ماري لوبان التي جاءت في المركز الثاني الا ان المرشح المفاجأة في تصوري هو مرشح اقصى اليسار جان لوك ملينشون الذي حصل في انتخابات العام 2012 على 11 % لكنه في هذه الانتخابات استطاع ان يصل الى ما يقرب من 20 % في الجولة الاولى واحتل المركز الثالث .
القراءة المبسطة لنتائج الجولة الاولى من الانتخابات الفرنسية تقول ان الشعب الفرنسي ادرك حالة التعفن السياسي للاحزاب التقليدية والفساد الذي يضرب اطنابه في حياة السياسيين وانه يبحث عن نوعية جديدة من الزعماء كما انه يظهر موازين القوى للتيارات السياسية داخل المجتمع الفرنسي، فيمين الوسط الذي مثله فيون نسبته حوالى 19 % بينما الاشتراكيون الذين مثلهم بونوا آمون قد اندحروا بعد أداء ضعيف ومتدن لهم خلال السنوات الخمس الماضية من حكم الرئيس هولاند حيث لم يحصل سوي على 6.5 % .
برؤية ايمانية عميقة أهم درس في الانتخابات الفرنسية هو ان الله سبحانه وتعالى هو الذي يؤتي الملك وينزع الملك ، فقد كان الفرنسيون يتحدثون بقناعة خلال العام 2016 ان رئيسهم القادم هو آلان جوبيه لكن المفاجأة تحققت وقفز فرانسوا فيون في الانتخابات التمهيدية للحزب، واصبح الجميع يقولون ان رئيس فرنسا القادم هو فرانسوا فيون .. فجأة ظهرت فضيحته السياسية و المالية ، فتقهقر وضعه واذا بمرشح مستقل ليس وراءه ماكينة حزبية كان في قاع القائمة هو ايمانويل ماكرون يقفز للمقدمة ويحصل بالفعل على الفرصة ليكون الرئيس القادم.
التقدم الذي حققه كل من ماكرون وميلنشون يثبت ان تجربة الانتخابات الفرنسية تستحق ان تدرس من عدة جوانب اهمها حينما يكون القرار حقا للشعب في اختيار من يحكمه فإنه يمكن ان يقوم بانقلابات سياسية تكون اقوى بكثير من الانقلابات العسكرية التي تقود للاستبداد والفساد .
الامر الثاني ان اصوات المهاجرين والمعتدلين اصبحت تلعب دورا هاما في الانتخابات الفرنسية في مقابل اليمين المتطرف.. فماكرون وصف ما قامت به فرنسا في الجزائر بانه «جريمة ضد الانسانية»، مما فجر زلزالا ضده لكنه قاده لقصر الرئاسة ، اما ملينشون فإنه انحاز في خطاباته للمسلمين والمهاجرين ووقف ضد استبداد حكام العالم الثالث ودافع عن السياسة الزراعية ووقف ضد الرأسمالية وجاء في المركز الثالث.
اعتقد ان نتائج الانتخابات الفرنسية بحاجة الى مزيد من القراءات المتعمقة، ولكن بعد الجولة الثانية التي ستظهر الحجم الحقيقي لليمين المتطرف الذي تقوده جان ماري لوبان .

بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور