كتاب وأراء

أوروبا تعاني من الشيخوخة والأمراض

ترتقي المجتمعات بارتقاء الإنسانية ومعانيها فيها، وتهبط وتذوي وتتهاوى كلما قلت قيمة الإنسان والقيم الإنسانية بين الناس، فحينما خرجت أوروبا من الحرب العالمية الثانية كانت تئن من ويلات الحرب وقررت أن تتوجه لبناء الإنسان والحضارة من جديد، لذلك استطاعت خلال سنوات من مشروع مارشال ومن جلب ملايين العمال من خارج أوروبا لاسيما من تركيا وشمال إفريقيا ومستعمراتها السابقة أن تنهض من جديد، لكن استراتيجية أوروبا في جلبها للعمالة كانت قائمة على أن هؤلاء العمال الذي جاؤوا لبنائها والمساهمة في نهضتها إنما هم عمالة مؤقتة يقضي كل منهم بضع سنوات على أرضها ثم يعود لبلاده ويأتي غيره، ولم يكن أي من هؤلاء كذلك يفكر في الهجرة والبقاء في أوروبا وإنما هي أرض جديدة للرزق وتحسين المستوى المعيشي ولم يدر في خلد الأوروبيين أن هذه العمالة التي توافدت عليها من مستعمراتها السابقة وحتى من الدول الآسيوية سوف تبقى وتستوطن ويصبح أبناؤهم وأحفادهم مواطنين أوروبيين، وخلال خمسين عاما تغيرت الخريطة الديمغرافية لأوروبا وأصبح غير الأوروبيين يشكلون ما يزيد على ثلث سكان أوروبا، كما أن الحضارة الأوروبية بدأت تهتم بالتطور التكنولوجي وتناست الإنسان الذي هو محور الكون والحضارة والتطور بشكل عام وانحرفت عن المبادئ والقيم الإنسانية وأصبحت المادة هي محور حياة الناس فأصبحت هناك أزمات في كل شيء أزمة في الحضارة وأزمة في قيم العائلة وأزمة في الترابط الأسري وأزمة في الثقافة وأزمة في المعرفة والتعليم والعلاقات الاجتماعية وتفشت الأنانية والفردية، وتوجه المجتمع نحو الشيخوخة بشكل سريع، ولأن الأسرة هي نواة المجتمع فقد أدى الأعراض عن الزواج إلى تدني نسبة المواليد بين الأوروبيين فيما حافظت الأسر المهاجرة إلى حد ما علي تماسكها مما أدي إلى تفاوت في التركيبة الديمغرافية والعرقية في المجتمعات الغربية، وأصبحت كثير من المدن الكبري هي خليط من الأعراق والأجناس المختلفة حتى أن بعض المدن أصبح أغلب سكانها من غير الأوروبيين، كما أن تفوق أبناء غير الأوروبيين من الجيلين الثاني والثالث وحتى الجيل الرابع الآن جعلهم يقومون بأعمال ووظائف أهم بكثير من تلك التي كان يقوم بها آباؤهم، ولأن أعدادهم في بعض الدول الأوروبية تجاوزت نسبة العشرين في المائة ووصلت في بعضها إلى ما يقرب من ثلث إلى نصف عدد السكان وأصبحوا قريبين من أن يشكلوا الأغلبية في بعض الأقطار فانتشر عملهم في كل المجالات والقطاعات فيما حرصت بعض الدول علي الحيلولة بين غير الأوروبيين وبين تبوؤ مناصب هامة أو مؤثرة لاسيما في الأمن والسياسة والجيوش، كما ظهرت الحركات اليمينية المتطرفة التي سوف تعجل بالأزمات الاجتماعية التي يمكن أن تعصف بالمجتمعات الأوروبية وتهدد مستقبلها.
لم يعد أمام أوروبا إلا أن تعود للقيم الإنسانية لتحكم العلاقات الاجتماعية بها لمعالجة تلك الأمراض التي تفتك بها، وإلا فإن العنصرية سوف تصطدم لا محالة مع التركيبة الديمغرافية المتنوعة التي لا مجال لتجاوزها لتصبح أوروبا على أعتاب مستقبل مجهول.

بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور