كتاب وأراء

هنا وهناك

أستطيع وبلا تحفظ أن أبدي اعجابي الشديد بكل ما كتبه الاديب السوري الراحل «محمد الماغوط» كتابات ظاهرها البساطة وباطنها يطرح الكثير من التساؤلات والافكار العميقة، الكتابة عنده ذروة الألم،وهو كما وصف نفسه بالضبط «أنا صادق مع نفسي لا أستطيع ان اكون جبانا قبل الظهر وشجاعا بعد الظهر، يساريا عند العصر ويمينيا عندما يهبط الليل،كنت أنا نفسي في جميع الفصول والاوقات والازمات ولم اتغير أبدا» وها هو يروي لنا حكاية قد تبدو عادية ربما لأننا اعتدنا الكثير من الامور،تدور حول محاضر العربي يكسب رزقه من القاء المحاضرات جامعات أوروبا والذي نزح عن وطنه منذ سنوات طويلة :« ذات مساء كان يتجول في شوارع احدى المدن الاوروبية ويتأمل كل ما حوله من ديمقراطية وعدالة ونظام،المظلات فوق الرؤوس،والمارة فوق الارصفة،والقانون فوق الجميع،يالها من حضارة مهذبة كالقطة المنزلية الاليفة،وفي نهاية اليوم دخل أحد المطاعم الفاخرة ليتناول عشائه،فاستقبله النادل بابتسامته المعهودة للغرباء،وقدم لائحة الطعام ووقف بانتظار طلباته،فقال له الاستاذ الغريب:»أنني متعب من القراءة والكتابة فأقرأ لي القائمة أذا سمحت! قال الجرسون بحماس: أمرك يا سيدي،عندنا شراب اسكتلندي والماني،وخبز كندي،وشوربة سويسرية،ولحم أرجنتيني،وكافيار روسي،ومعكرونة ايطالية،وشاي سيلاني،وقهوة برازيلية،أما الاقداح فهي تشيكية والفوط والمناشف أميركية.شعر المحاضر بغربة عميقة،وانتابه حنين جارف إلى أي شيء يذكره بوطنه وبلاده،فسأل: أليس عندكم أي شيء عربي؟ قال الميتر:«لا ليس عندنا أي شيء عربي سوى الخدم!! عاد المحاضر إلى وطنه على أول طائرة حاملا خبرته وشهاداته وأشواقه ليعوض ما فات من عمره كل هذه السنين،وما أن وصل إلى الفندق حتى ترك فيه كل شيء،ووضع يديه في جيوبه وراح يتجول حتى آخر الليل في المدينة التي أحبها وهجرها مرغما..وهو لا يكاد يشبع من هوائها وأرصفتها وسمائها ونجومها،وبعد أن شعر بالارهاق من تجواله الطويل دخل احد المطاعم ليتناول عشائه،فهب اليه «الميتر» بابتسامته المعهودة مرحبا به وبطلباته،فقال له الاستاذ الغريب: اقرأ لي ما عندك من أطعمة ومشروبات،فلقد كنت غائبا عن الوطن ولا أعرف ما تعنيه الاسماء في الوقت الحاضر» قال الميتر: عندنا تبولة لبنانية،وفول سوداني،وملوخية مصرية،وكبسة سعودية،وفريكة عراقية،واطباق تونسية،وكنافة نابلسية،وبطيخ أردني،وقهوة يمنية،والطبخ بجميع انواعه العربي والشرقي كما ترى،وكذلك الستائر والاغاني،وكل العاملين هنا بدءًا من الطباخ انتهاءً بالمحاسب عرب،فتنفس الاستاذ الصعداء وقال: يعني ليس عندكم أي شيء أجنبي؟ رد النادل بفخر: أبدا يا سيدي،أبدا...ليس عندنا أي شيء أجنبي ما عدا صاحب المطعم.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري