كتاب وأراء

فتح وحماس .. بين الشراكة والخلافات


على غير العادة حيث لم تكن الأنظار العربية مشغولة بما يجري في غزة قدر انشغالها بمتابعة جديد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، اتجهت العلاقة بين قطبي الحركة الفلسطينية إلى صدام سياسي غير مسبوق وضع القطاع فوق سطح صفيح ساخن، وذلك على خلفية قرار من السلطة الفلسطينية تخفيض رواتب الموظفين والتهديد بقرارات أشد قسوة مما زاد من معاناة أبناء القطاع الذي يعيش تحت الحصار منذ عدة سنوات.
جاءت بداية الأزمة الأخيرة بصدور قرار من «حكومة الوفاق» المشكلة منذ 2014 وبتعليمات من الرئيس محمود عباس بتخفيض رواتب موظفي السلطة في القطاع سواء كانوا من فتح أو حماس بنسبة تتراوح بين 30 و50 % (أكثر من 50 ألف موظف) والتهديد بقرارات أشد قسوة تتعلق بوقف الخدمات الضرورية من كهرباء وتعليم وصحة ودواء إن لم تستجب حماس لمطالب السلطة بتغيير معادلة العلاقة بينهما في القطاع. وكان من اللافت أن ذات القرار لم يتم تطبيقه بالمثل على موظفي السلطة في الضفة الغربية مما تم اعتباره لونا من ألوان التمييز بين الفلسطينيين!. وتم تبرير القرار بأن السلطة تعاني من أوضاع مالية واقتصادية صعبة، ثم قال مسؤولو السلطة إن القرار جاء ردا على قيام حماس بتشكيل لجنة لإدارة الحكم في القطاع مما يعتبر محاولة لتثبيت الانقسام وتحوله إلى انفصال هناك.
وبالمقابل ردت حماس على هذه الاتهامات بنفس الحدة والقوة، فوصفت التبريرات من جانب السلطة بأنها قلب للحقائق. وأما اللجنة الإدارية فهي مؤقتة ينتهي عملها فور تنفيذ حكومة الوفاق لما تم الاتفاق عليه، وأن السلطة تريد صناعة الأزمات في غزة، وهي أزمات مفتعلة وبقرار سياسي وليس لها علاقة بالوضع المالي أو الاقتصادي.
اللافت في الأزمة الأخيرة هو أن السلطة تقول إنها لن تستمر تنفق على القطاع بينما حماس هي التي تحكم، وعليها أن تختار بين أن تتولى الحكم في القطاع بصورة كاملة ومن ثم تضطلع بكامل مسؤوليات الإنفاق عليه، وإما أن تتخلى عنه بصورة كاملة للسلطة الفلسطينية لكي تتحمل السلطة في هذه الحالة كامل مسؤولياتها. وبالمقابل تؤكد حماس أنها لن «تركع» لمطالب السلطة على حد تعبيرها.
القراءة الأولى للمشهد على ضوء التجاذب في المواقف تفتح الطريق أمام تقديرات بالغة التشاؤم، ولكن الخبرة التاريخية عن الخلافات بين الجانبين وهشاشة الحجج التي يستند إليها كل طرف بغرض التصعيد (على عكس ما يذهب مؤيدو كل منهما) تشير إلى ترجيح الحل الوسط برغم قسوة التعبير عن الخلاف الراهن. فما أكثر المناسبات التي احتدم فيها الخلاف ثم هدأ بين لحظة وأخرى وليس مستساغا أن السلطة اكتشفت اليوم فقط أنها تنفق وحماس تحكم لأنه أمر معروف وقبلته السلطة واقعيا وتعاملت به لمدة عشر سنوات وتستطيع التعامل به لسنوات أخرى خصوصا أنها لا تريد أن تحتكم لمتطلبات الحل السياسي المعتاد، وهي تعلم جيدا أنها لا تستطيع أن تدير بإمكانياتها المحدودة شؤون قطاع يزيد عدد سكانه على 2 مليون نسمة بينما هي ذاتها تعاني من إدارة شؤون الضفة.
وليس من صالح الرئيس عباس أن يذهب إلى واشنطن في ظل تعميق الانقسام على هذا النحو، بل على العكس من المفترض أن يذهب والمصالحة متحققة أو الانقسام في أضعف صوره على الأقل.
وإذا افترضنا جدلا أن الانفصال أصبح خيارا مطروحا، فإنه يتم في حالة وصول القطاع إلى حالة من القوة الذاتية التي تمكنه من إدارة نفسه بنفسه وهو ما ليس قائما بكل تأكيد مع تردي الأوضاع إلى حد الكارثة الإنسانية.
حكومة الوحدة الوطنية كاملة الصلاحيات هي الحل الأفضل للخروج من حالة الانقسام أو الترويج لتثبيتها تمهيدا لانفصال أقرب إلى الوهم. ولكن لهذه الخطوة متطلباتها وتنازلاتها المتبادلة، وهو ما يتعين على الأطراف العربية المعنية القيام به لا أن تقف موقف المتفرج.
بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد