كتاب وأراء

أهلا بكم

من أقوال هذا الرجل: «الصدق شيء نادر وكلنا يكذب.. ولحظة الصدق الحقيقية هي لحظة الخلوة مع النفس حينما يبدأ الحديث السري.. ذلك الحوار الداخلي.. حيث يصغي الواحد إلى نفسه دون أن يخشى أذنا.. ذلك الإفشاء والاعتراف من الأعماق في محاولة مخلصة للفهم.. إن الحياة تتوقف في أثمن اللحظات لتبوح بحكمتها.. والزمن يتوقف ليعطي الشعور بالحضور، حيث نكون في حضرة الحق وحيث لا يجوز الكذب والخداع.. كما لا تجوز لحظة الموت والحشرجة.
قد تأتي هذه اللحظة في العمر مرة فتكون قيمتها بالعمر كله.. وإذا تأخرت ولم تأت إلا ساعة الموت فقد ضاع العمر كله دون معنى ودون حكمة وأكلته الأكاذيب وجاءت الصحوة بعد فوات الأوان. ولهذا كانت الخلوة مع النفس شيئا ضروريا لإنسان العصر الحديث وهي طوق نجاة. فالإنسان يولد وحده ويموت وحده ويصل إلى الحق وحده. وليست مبالغة أن توصف الدنيا بأنها باطل الأباطيل.. الكل باطل وقبض الريح.. والدنيا ملهاة قبل أن تكون مأساة.. والشعور بالحق يملؤنا تماما وإن عجزنا عن الوصول إليه. إننا نشعر به ملء القلب وإن كنا لا نراه.. ولحظة التأمل الصافي تقودنا إليه. والعلم يقودنا إليه. ومراقبتنا لأنفسنا تقود إليه. والحق في القرآن هو الله وهو متجاوز للدنيا متعال عليها.. نراه رؤية بصيرة لا رؤية بصر.. كيف نشك في الحق ونطلب عليه دليلا من الباطل.. ليعد كل منا إلى قلبه في ساعة خلوة. فقد أودع الله في قلوبنا تلك البوصلة التي لا تخطئ.. والتي اسمها الفطرة والبداهة.. «فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله».
صاحب هذه الكلمات هو العالم الجليل مصطفى محمود الذي تمت محاكمته وصودرت كل نسخ كتابه (الله والإنسان) في زمن عبدالناصر، وفي عهد السادات عرض عليه منصب وزير فرفض قائلا بصراحته المعهودة: «أنا فشلت في إدارة أصغر مؤسسة وهي الزواج فأنا مطلق.. فكيف أقدر على إدارة وزارة كاملة».
هذا الرجل رفض القصور التي أهديت إليه من أثرياء عرب وأقام بنقود كسبها من كتبه مسجدا ومستشفى لعلاج ذوي الدخل المحدود. واستقطب أساتذة يعطون دروسا في الفلك وأضاف متحفا ليتفكر الزائر في خلق الله.. وساهم برنامجه العلم والإيمان الذي يبدؤه دائما بقوله «أهلا بكم» على مدى سنوات في تغذية العقول ومخاطبة الأرواح، وشرح فيه الإعجاز القرآني بأسلوب مبسط ومفهوم للجميع.
هذا البرنامج الذي لم يكن ليرى النور لولا أن تبرع رجل الأعمال «رياض العريان» بتكلفة إنتاجه. وعلى مدى ثمانية عشر عاما كان أجر «مصطفى محمود» على الإعداد والتقديم ثلاثمائة جنيه أي مائة وخمسين ريالا. وربح التليفزيون عشرة ملايين دولار من بيعه ومن الدعايات، ثم جاء قرار المنع الرئاسي لأن إحدى الحلقات تطرقت للمفاعل الإسرائيلي وإلى تطلعات أميركا وإسرائيل في المنطقة.. مما سبب له اكتئابا أسلمه للمرض، ثم جاء كتابه الأخير «الشفاعة» ليحطم ما بقي من عزيمته..
تكاتف العقلاء والجهلاء ضده.. اتهموه بالزندقة والكفر والإساءة للدين. وهو الذي قضى عمره كله يدافع عن الإسلام ويحبب الناس فيه، وطلبوا منه بوقاحة ألا يكتب في الدين فهو طبيب ولا علاقة له بالدين، لقد اكتشفوا بعد أربعمائة حلقة تليفزيونية وأكثر من ستين كتابا عن الدين والأخلاق أنه غير مؤهل للكتابة، فكان أن اعتزل الكتابة وعاش وحيدا، لا يزوره إلا بضعة أشخاص من بينهم ابنته وولده، حتى رحل.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري