كتاب وأراء

الاقتصاد العربي.. هل الاستدانة هي الحل؟

سوق النفط العالمي المتقلب أدى إلى انخفاض الأسعار الدولية للبترول من 120 دولاراً للبرميل في 2012 إلى نحو 22 دولاراً في أوائل 2016.

انخفاض بما يقرب 80 % خلال أربع سنوات فقط لابد أن يكون له آثار وخيمة على ميزانيات وفوائض الدول المصدرة للبترول، كيف أثر ذلك على ميزانيات الدول العربية عامة والخليجية خاصة؟ وكيف تعاملت أو تتعامل هذه البلاد مع هذا الانهيار في الأسعار؟ وهل تعلمت هذه الدول من الأزمات السابقة؟ هذا هو موضوع المقال الحالي والقادم.
الآثار الاقتصادية لهذا الانهيار في أسعار النفط حولت فوائض الميزانيات في الدول العربية المصدرة للبترول (الخليج والجزائر وليبيا) إلى عجوزات، كما تحول فائض الميزان التجاري أيضاً إلى عجز، ومن ثم لأول مرة ومنذ أمد غير قصير تواجه هذه الدول العجز التوأمي أو الثنائي (TWIN DEFICITS) لكل من الميزانية العامة– أي أن نفقات الدولة أكثر من إيراداتها- وكذلك الميزان التجاري؛ حيث زادت قيمة الواردات على الصادرات، المقارنة البسيطة لوضع ميزانيات هذه الدول بين عامي 2011 و2016 يوضح هذا التأثير الصارخ؛ فعلى سبيل المثال تحولت الكويت من 76 % فائض في الميزانية العامة في 2011 إلى -0.2% عجزاً في 2016، أما السعودية فتحول الفائض في 2011 من 35% إلى -19 % عجزاً في 2016، كذلك الإمارات من 19% في 2011 إلى -2.7% عجز في 2016. وها هي عمان تتحول من 22.5 % فائضاً في 2011 إلى 34.8% عجزاً في 2016، وبينما كانت قطر تتمتع بـ 38 % فائضاً في 2011 إذا بها تواجه عجزاً يقارب -9.5% في 2016، حتى البحرين- ضعيفة الموارد النفطية- تحول الفائض في الميزانية من 7.3% في 2011 إلى 19.4% عجزاً في 2016. أما الجزائر التي عرفت بعدم استدانتها تحول فائضها من 9.5% ففي 2011 إلى عجز -19.4% في 2016. أخيراً العراق من 16.8% فائضاً في 2011 إلى -25 % في 2016. البلد الوحيد الذي لم يتحول إلى السالب هو إيران التي انخفض الفائض فيها من 11.2% في 2011 إلى +3.1 % في 2016 ولعل السبب الأساسي هنا هو رفع العقوبات الدولية عن طهران والسماح لها بزيادة كمية النفط التي تصدرها. كيف تعاملت حكومات هذه الدول مع هذا الانخفاض الكبير في جانب الإيرادات في الميزانية في عام 2016 والذي زاد على 30 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط في معظم الدول ولكنه بلغ 78 % في حالة الكويت كحد أقصى و21 % في الإمارات كحد أدني؟
في معظم الحالات، وعلى الرغم من بذل جهود كبيرة في مجال التكيف المالي أو ضبط أوضاع الميزانية (FISCAL CONSOLIDATIONS) في هذه البلدان على طريق تقليل النفقات أو زيادة بعض الرسوم والضرائب، فإن جزءاً كبيراً من العجز في عائدات التصدير والإيرادات المالية يتم تمويله الآن عن طريق الديون المحلية أو الخارجية أو كليهما معاً.
فلأول مرة بعض الدول التي لم تدخل عالم الاقتراض من قبل أقبلت وبشهية واسعة على إصدار السندات المحلية والعالمية؛ على سبيل المثال أصدرت المملكة العربية السعودية أكبر حجم من الديون الخارجية لأية سوق ناشئة في أكتوبر 2016. هذا كما روجت الكويت لأول مرة في تاريخها لإصدار سندات دولاريه عالمية ونجحت في تجميع حصيلة مساوية لثمانية مليارات من الدولارات الشهر الماضي. اتجاه الدول إلى الاقتراض في هذه الظروف معناه أن هذه الدول مقتنعة بأن انخفاض أسعار النفط مؤقت، ومن ثم في الأجل المتوسط سترتفع أسعار النفط مرة أخرى، مما يمكن معه وبسهولة تسديد هذه القروض مع فوائدها دون مشقة أو خسارة، ولكن يجب الحذر لأنه إذا فشلت أسعار النفط في الانتعاش، فإن هذه الزيادة في إصدار الديون يمكن أن تأتي بنتائج عكسية، كما أن إصدار الديون المقومة بالدولار يحمل مخاطر إضافية وتكاليف إضافية في حالة انخفاض قيمة العملة بالنسبة لأولئك الذين لديهم سعر صرف مربوط بالدولار الأميركي.
سنتناول لاحقاً هذا الموضوع بمزيد من التفصيل..
بقلم : أ. د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي