كتاب وأراء

خطأ المقارنة.. سوريا ليست الجزائر

خاضت الجزائر منذ تولي الرئيس بوتفليقة الحكم 1999 تجربة ناجحة نسبيا لتحقيق المصالحة بين النظام والمعارضة المسلحة أنهت ما يعرف بالعشرية السوداء. وبما أن الشعوب تتعلم من تجارب الآخرين، فإن التجربة الجزائرية تطرح نفسها كنموذج للحل في الأزمة السورية على سبيل المثال. ولكن هناك فرقا كبيرا بين أن تتعلم الشعوب بعض الدروس مما سارت عليه شعوب أخرى، وبين أن تستنسخ تجربتها ولو على الصعيد النظري نظرا لاستحالة تطابق الأسباب والظروف والنتائج حيث تظل لكل حالة طبيعتها الخاصة.

من يجدون وجاهة في المقارنة ومن ثم تصور إمكانية تنزيل التجربة الجزائرية على التجربة السورية يستندون إلى التشابه في عدد من العناصر الرئيسية مثل وجود صراع وصل إلى حد الحرب الدموية بين النظام الحاكم والمعارضة، وطبيعة النظام من حيث الهيمنة السياسية التاريخية المستندة إلى قوة الجيش وطبيعة المعارضة من حيث غلبة التوجه الإسلامي السياسي عليها، والأهم أنه برغم كل هذه الصعوبات أمكن تحقيق المصالحة مما حافظ على الدولة والمجتمع من الانهيار.

إذا تجاوزنا ما يحتمه التباين الزمني من فوارق تجعل المقارنة ضربا من التعسف في التحليل، فإن الواقع الاجتماعي مختلف تماما حيث الأزمة في سوريا لها بعدها الطائفي الذي لا يمكن إنكاره، بينما لا يمكن وصف المجتمع الجزائري بأنه طائفي. ومن جهة أخرى كانت ولا تزال هناك دولة موحدة في الجزائر لم تعرف التقسيم في أشد فترات الحرب الأهلية دموية، بينما سوريا بعد الربيع العربي مهددة بالتقسيم ما بين دولة للأكراد في الشمال وأخرى للعلويين والمسيحيين في الغرب الساحلي وثالثة للسنة في الوسط (ترتبط بامتداد لها من وسط العراق تحت راية ما يسمى بدولة الخلافة). ومن جهة ثالثة لم يحدث أن وقعت الجزائر تحت تأثير التدخل الخارجي.

إضافة لما سبق فإن الخطة التي سار عليها نظام بوتفليقة لتحقيق المصالحة ورد فعل المعارضة الإسلامية مسلحة كانت أم معتدلة لا تتوافر معطياتها في الحالة السورية. فالمعنيون بمتابعة الشأن الجزائري يعلمون جيدا أن كلا من قانون الوئام (سبتمبر 1999 وميثاق السلم سبتمبر 2005 والذي تحول إلى قانون في فبراير 2006) وهما عماد التجربة الجزائرية قد جرى وضعهما بعناية فائقة وسط مناخ عام استند إلى شعبية ورضا مجتمعي عريض يؤيد المصالحة كما أن جماعات المعارضة المتشددة قبل المعتدلة قبلت بإرادتها الكاملة الشروط.

ورغم كل ما حظت به المصالحة التي شهدتها التجربة الجزائرية من إيجابيات، إلا أن النجاح لم يكن شاملا كما يتخيل البعض فقد ظلت مسألة التعويضات تقلق الشارع الجزائري، كما أن من قبلوا بها من الجماعات المتشددة المسلحة كان من منطلق إيقاف الاقتتال وليس بغرض المشاركة السياسية في الحياة السياسية. وأما من شاركوا فقد كانوا من التيارات المعتدلة وتحديدا الجماعات التي كانت قد قبلت تحويل أنفسها إلى أحزاب ورفعت من أسمائها كلمة إسلامي.

الحالة السورية المعاصرة لا تتوافر فيها شروط التجربة الجزائرية، ليس فقط للأسباب السالف ذكرها عن الطائفية والتقسيم والتدخل الخارجي، وإنما لسببين رئيسيين أولهما أن الصراع بين النظام والمعارضة المسلحة أو غير ذلك ذو طبيعة صفرية بمعنى أن كلا منها لا يقبل إلا بزوال الآخر، بينما المشاركة كانت ولا تزال هي عنوان الحل في الجزائر، وثانيهما أن الجماعات المسلحة في الجزائر كانت قد راجعت مواقفها الفكرية وقبلت بإرادة خالصة تسليم نفسها وسلاحها بينما لا يتوافر ذلك في الحالة السورية. هذا إضافة إلى أن استعادة اللحمة للمجتمع السوري من خلال الوئام والعيش المشترك بعد مأساة إنسانية حادة يعد أمر بالغ الصعوبة. المسافة بين التجربتين كبيرة لأن ظروف كل حالة مختلفة عن الأخرى وكذلك الآليات والسياق الذي جرت فيه المصالحة. الاستنساخ غير مفهوم ولا مقبول لاستحالته عمليا، ولكن استخلاص العبر وارد بكل تأكيد.



بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد