كتاب وأراء

أغنى الأغنياء

اسمعوا هذه الحكاية، كان هناك رجل لا يملك من حطام الدنيا سوى فرس أصيلة، يعتز بملكيتها ولا يفكر في بيعها، شاع خبر هذه الفرس بين الناس، ودفع الطمع أحدهم إلى محاولة الحصول عليها بالحيلة، فقضى عدة أيام يرصد حركة صاحبها، حتى جاءت الفرصة، فتظاهر حالما شاهده يسير دون رفيق بأنه رجل ضائع وجائع، وأن قدميه لا تكادان تحملانه من شدة التعب، وهنا نزل الرجل عن حصانه واركبه عليه بعد ان سقاه، ووعده بوليمة حالما يصل إلى خيمته، لكن المحتال رفع صوته وهو ينوي الانطلاق والهرب بغنيمته قائلا: «لقد احتلت عليك وخدعتك، لم تعد الفرس فرسك وأصبحت ملكي»، فناداه صاحب الفرس: «تمهل قليلا.. لدي طلب عندك» سأله اللص: وما هو؟ قال الرجل: «إذا سألك احد كيف حصلت على فرس فلان؟ فلا تقل احتلت عليه بحيلة، بل قل أهداني اياها»، تعجب اللص من هذا الطلب الغريب واستفسر عن السبب، فرد صاحب الفرس: «حتى لا ينقطع المعروف بين الناس. فإذا مر قوم بشخص منقطع حقا وبحاجة للمساعدة لا يترددون عن فعل الخير ويقولون لا تساعدوه لأن فلانا ساعد فلانا فخانه».
وتروي الاساطير القديمة قصة امرأة عجوز اضطرتها الظروف للسفر وحدها عبر الجبال، وأثناء استراحتها قرب النهر وجدت حجرا كريما، وفي اليوم التالي قابلت مسافرا يرتدي ملابس مهلهلة وحافي القدمين ويكاد يسقط أرضا من شدة الجوع، ففتحت صرتها لتقدم له بعضا من طعامها القليل، فوقعت عينا المسافر على الحجر الكريم المشع ببريق يخطف الانظار، بلع ريقه ونسي جوعه وتجرأ بطلبه منها دون تفكير، ودون تفكير أيضا وبلا تردد أعطته ما طلب ومضت في طريقها، ودعها المسافر ومضى عكس اتجاهها وهو لا يكاد يصدق حسن حظه، فهذه الجوهرة الثمينة ستوفر له حياة كريمة إلى آخر أيام حياته، ومع كل خطوة يخطوها بعيدا وهو يحلم بالسعادة والأمن والامان، كان هناك صوت بدا خافتا في أعماقه ثم أصبح كالدوي وبدأ يقض مضجعه، لماذا؟ لماذا؟ بعد عدة أيام قضاها قلقا قرر ان يعود أدراجه ويبحث عن تلك المسافرة الغريبة التي فضلته على نفسها، ليستفسر منها عن السبب، مرت شهور وهو يقتفي آثارها ويسأل عنها بصبر وإلحاح، وحين عثر عليها بعد عناء أعاد اليها الحجر الكريم وبادرها قائلا: فكرت في الامر، وعلمت كم هو قيم هذا الحجر، لكنني سأعيده إليك على أمل ان تمنحيني ما هو أكثر قيمة.. هل لك أن تمنحيني ذلك الشيء في داخلك الذي مكنك من أن تعطيني هذا الحجر الثمين عندما طلبته.. ويقينا لم تستطع ان تلبي هذا الطلب.. لأن القناعة وحب الخير أمور لا تُشترى ولا تُوهب.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري