كتاب وأراء

الدم السوري واحد والمأساة مستمرة

لا يشبه التفجير الذي حصل قبل أيام، والذي استهدف بعض الباصات التي تقل قسما من أهالي بلدتي الفوعة وكفريا، أي تفجير آخر في سوريا، ليس لأن التفجير أودى بحياة مائة مدني، منهم الكثير من الأطفال والنساء، فسوريا منذ ست سنوات يقتل مدنيوها وأطفالها ونساؤها بكل أنواع الموت، ولا لأن التفجير له صبغة طائفية واضحة، فسوريا منذ ست سنوات تم أخذها نحو الصراع الطائفي المبطن والمعلن، وتتعرض الأكثرية فيها، لعملية إبادة، بالقتل أو بالتهجير الطائفي الممنهج، وعمليا تعرضت سوريا كلها، خلال السنوات الماضية، لحالة تقسيمية تطييفية دمرت بنية مجتمعها بكامله، ونسفت عقده الضمني الذي كان ناظما لتعايش جميع مكوناته، فلن يكون هذا التفجير استثناء ببعده الطائفي، استثناؤه جاء من توقيته ومكانه ولحظته: فترحيل أهالي الفوعة وكفريا في الشمال السوري، الشيعيتين والمحاصرتين منذ زمن من قبل جبهة النصرة جاء بصفقة مبادلة، يتم فيها ترحيل أهالي مضايا والزبداني في ريف دمشق، السنيتين والمحاصرتين منذ زمن من قبل النظام و«حزب الله» إلى الشمال، إلى الفوعة وكفريا تحديدا، ليأتي أهل كفريا والفوعة إلى الزبداني ومضايا.
عملية المبادلة هذه بحد ذاتها، قد تبدو في الظاهر، حلا مناسبا لأهالي هذه البلدات المحاصرة، قد تبدو إنقاذا للطرفين من حالة الحصار والجوع والموت المتنوع الذي يطال سكان هذه البلدات، ولكن في جوهره هو تكريس لحالة الانقسام السوري الطائفي، بحيث يصبح الشمال السوري منطقة سنية بالكامل، بعد أن أجبرت جبهة النصرة القرى الدرزية هناك على إعلان إسلامها قبل سنوات، منطقة سنية تضم سكان البيئات الحاضنة للثورة الذين كانوا يعيشون على الخط الذي تراه إيران خطا استراتيجيا لدعم ذراعها العسكرية في منطقة بلاد الشام، فالخط الواصل بين حمص والقلمون وريف دمشق ودمشق، امتدادا إلى سهل البقاع ومنطقة بعلبك والهرمل وحرمون، هو الخط الذي يسيطر عليه حزب الله بالكامل.
حوصرت هذه المناطق منذ سنوات وتم الفتك الكامل بسكانها، وحين جاءت لحظة التهجير لم يقو أحد منهم على الاعتراض، وهو ما حصل أيضا مع سكان الفوعة وكفريا، الذين كانت تلقي عليهم طائرات الهوليكوبتر بعض الأغذية والأدوية وحليب الأطفال.
عاش الطرفان سنوات تشبه الجحيم، وبدلا من فك الحصار عنهم، يتم اقتلاعهم من جذورهم ونقلهم من مكان إلى آخر، بقدر ما تحتويه فكرة التهجير من استهانة بكل المشاعر والأخلاق الإنسانية، واستهانة بإرادة ورغبات البشر المعنيين بالموضوع، بقدر ما حمل التفجير من نسف لكل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية.
فرادة هذا التفجير تركزت في هذه النقطة تحديدا، حيث يساق سكان منطقة ما بقوة الحصار والسلاح إلى منطقة أخرى لا تعني لهم شيئا، ويوافقون مرغمين حفاظا على حياة أبنائهم وحياتهم، وحين يحشرون في الباصات الخضراء المشؤومة يأتي من يفجر الباصات بهم، لتصبح أجساد أكثر من مائة منهم مجرد أشلاء، ولتنتهي مـأساة سنوات بطريقة أشد مأساوية وقهر، وهو على ما يبدو سيكون مصير سوريا المنكوبة التي تعيش مأساة لم يشهد لها التاريخ مثيلا، ومع ذلك مرشحة للأسوأ في ظل كل المعطيات الحالية، ليبقى السؤال عن المستفيد من كل هذا الخراب.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران