كتاب وأراء

لا تنازل عن الأمومة

كثيرون عاشوا حياتهم وهم ضحايا حبهم المبتور الأول والأخير الذي لم يكتمل، أرادوا أن تبنى حياتهم الزوجية على عاطفة رقراقة متبادلة، ولكن قصة الزواج فشلت قبل أن تبدأ لأسباب غير متوقعة، كأن ترفض إحدى الأسرتين هذا الزواج، أو لسبب أن الحب كان من طرف واحد وليس متبادلاً، أو لظروف شتى أخرى..
الرواية العربية، تناولت مثل هذه القضايا، التي تحول بعضها إلى أفلام سينمائية، ومن ذلك مثلاً رواية إحسان عبدالقدوس: «الوسادة الخالية» التي تحولت إلى فيلم سينمائي من بطولة الراحل عبدالحليم حافظ ولبنى عبدالعزيز، وربما اختير عبدالحليم حافظ لبطولة هذا الفيلم لأنه شخصياً عاش تجربة «الحب المبتور» والمتعثر لأن أسرة الفتاة الأولى التي أحبها رفضته زوجا لابنتهم لأنها لم تثمن فنه وهو ببداية مشواره الغنائي.
الرواية ذاتها تتكرر في الواقع مرارا بصيغ وصور متشابهة، إذ لايزال الإخفاق في زواج متحابين قصة متجددة، تماما كقصة فتاة صارت على مشارف الستين من عمرها دون زواج، رغم أنها ليست دميمة، بل أنها تتمتع بمظهر عام جذاب وجميل، إذ لم تحكم عليها دنياها بمثل ما أصدرت حكما «قراقوشيا» على نفسها أن تعيش ما تبقى لها من عمر بلا زواج، بعدما فشلت في الارتباط بأول وآخر من أحبته، حتى أن البعض كان يراها قد أصيبت بعقدة من الرجال، وإن هذه العقدة تضخمت وغير قابلة للعلاج، إذ ظل عزوفها عن الزواج سؤالا لا يعرف الجواب.
تزوجت شقيقتاها اللتان تصغرانها، دون أن يستدعيها ذلك أن تغير موقفها، رغم ضغوط والدتها، ورغم تعدد عروض الزواج المغرية التي تلقتها، فالشاب الذي كانت تحبه، أغلق باب قلبها وهو خارج من حياتها بمزلاج لا مفتاح له.
التحقت بالعمل بعد تدريب بإحدى الناقلات الجوية العربية، لتعمل مضيفة جوية بشروط كان في صدارتها ألا تكون متزوجة، وأن تخبر عملها في حال إقدامها على الزواج ليتم الاستغناء عنها، فطمأنتهم أنها قررت ألا تتزوج على الإطلاق، وإنها لا تنوي الزواج، وستعيش حياتها بمفردها من دون سرد تجربتها العاطفية المريرة، التي دفعتها إلى حياة العزوبية.
تشاغلت عن حبها القديم والوحيد بالانهماك في العمل، بهذا الترحال المجاني، حيث أتاح لها عملها على عدة خطوط جوية بين أشهر وأهم العواصم العالمية، أن تزور مدنا عدة، أن ترى وجوها للعالم كان يتعذر عليها رؤيتها لو عملت بوظيفة أخرى غير الضيافة الجوية، ولكنها بنهاية المطاف عادت إلى الأرض بعد سنوات طوال من التعلق بين السماء والأرض، ولكنها تبينت أن قطار الزواج الذي أهملته منذ سنوات ومرق، قد تركها إلى عزوبية مقيتة، بل وحرمها من الأمومة التي صارت تتوق إليها، فاختارت العمل متطوعة في بيت خيري للأيتام، لتكون أما لعدد ليس قليلا من الأطفال، وليشنف آذانها مناداتها بـ«ماما....»، فكثير من النساء يتنازلن عن الرجل في الحياة، ولكنهن لا يتخلين عن الأمومة، حتى لو كانت تطوعا.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي