كتاب وأراء

زمان التوابع المدمرة للعولمة

عندما ذاع صيت العولمة قبل نحو ربع قرن, هلل لها دعاتها بوصفها طوق النجاة لشعوب العالم أجمع من الضائقة الاقتصادية, ثم انسحبت الدعوة لتشمل الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية. وربط دعاتها بينها وبين العلم والتقنيات الحديثة وثورة المعرفة, واعتبروها ضرورة لا بد منها حتى يمكن للبشرية أن تستفيد حقا من كل ذلك. ولكن بعد مرور كل هذا الوقت بكل ما حفل به من تطورات فارقة على كل الأصعدة, يقف العالم على واقع مختلف تماما أقل ما يوصف به أنه كارثة بسبب الانصياع لهذه الدعوة بقصد أو دون قصد.

وللحق فإن العولمة ظهرت لها نتائجها المبهرة على الصعيد الاقتصادي من حيث ازدياد معدلات النمو سواء العالمية أو الوطنية, وأحدثت ثورة حقيقية في النشاط الاقتصادي على صعيد الأفراد أو الشركات أو الحكومات. وكان من المنطقي أن تتطور معها وسائل الاتصال إلى أقصى حد لم يكن في خيال أحد حتى تلاشى ما هو خاص!.

ولكن ما لا يستطيع أحد إنكاره حتى لو كان من أشد المتحمسين للدعوة, هو أن الصورة الحاضرة للمشهد العالمي في إجماله تعبر عن نتائج عكسية إلى حد كبير لكل ما روجت له العولمة .

الاقتصاد العالمي بمجمله ليس بعافية بل يمر بانكماش ومعدلات النمو بالنسبة لأكثر الدول استفادة من العولمة تتراجع. التخمة التي صنعتها العولمة ارتدت على أصحابها, وليس من المبالغة أن نجوم العولمة يعيشون حالة حرب فيما بينهم علنية تارة ومستترة تارة أخرى.

إلا أن العولمة أفرزت ما هو أسوأ من ذلك, والذي ربما لم يكن في حسابات من صنعوها وروجوا لها, فالجريمة الالكترونية, والإرهاب الإلكتروني, وتسريب الوثائق والأسرار, وحروب الكراهية, وحروب الإعلام, ما هي إلا تداعيات تجسد الوجه القبيح للعولمة, ليس فقط لأنها نتجت عن وسائل الاتصال التي كانت من الأسس التي قامت عليها العولمة, وإنما أيضا لأن العولمة ألغت ما هو خاص أو ذاتي يستحيل التخلي عنه لصالح ما هو عالمي يتحكم في مساره حفنة من الشركات العملاقة متعددة الجنسيات, وكان من الطبيعي أن يحدث ذلك رد فعل مضاد شديد العدوانية والتطرف والانتقام.

إن أوروبا الغربية على سبيل المثال تخسر سنويا مئات المليارات من اليورو بسبب الجرائم الالكترونية. والإرهاب الالكتروني هو أبشع المظاهر, ويقصد به تفعيل مختلف الأنشطة الإرهابية عبر الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي, تلك الأدوات التي هلل لها دعاة العولمة في السابق واعتبروها فاتحة خير عميم على البشرية جمعاء. من المؤكد أن دعاة العولمة ما كانوا يتوقعون أن يأتي اليوم الذي تتحول فيه مثل هذه الأدوات من وسيلة لزيادة رفاهية العالم وتقدمه اقتصاديا وثقافيا إلى أداة للقتل والتدمير داخل قلب أوروبا ذاتها. ولم يلتفت هؤلاء إلى أن حروب الكراهية التي اندلعت في العالم بأيديهم هم بالأساس سترتد عليهم. وما لا يمكن إنكاره أنه خلال زهوة الغرب بانتصار العولمة كانت حرب الكراهية قد بدأت بالفعل ضد شعوب الشرق العربي والإسلامي تحديدا باعتبارها شعوبا متخلفة يتعين على العولمة أن تجتثها وهي ماضية في طريقها.

د.عبد العاطي

عبدالعاطي محمد