كتاب وأراء

القنبلة القذرة سلاح الإرهاب النووي

جيد أن يشد زعماء أكثر من 50 دولة الرحال إلى واشنطن لينظروا في كيفية التصدي لتنظيم «داعش»، تحت عنوان القمة الدولية الرابعة للأمن النووي. ولكن من الخطأ رفع سلم التوقعات بأن كل الحراك الدولي الذي يتصدر أخبار العالم سواء في هذه القضية أو غيرها مما بات يهدد السلم والأمن الدوليين، يمكن أن يبشر بإنجاز حقيقي، لأن الثقة باتت معدومة بين الدول الكبرى النافذة، ومن ثم لا يتحقق التضامن الجماعي الذي يمثل الضمانة الحقيقية لأي تفاهمات أو اتفاقات دولية تنتشل الجميع من مناخ التوتر والاستقطاب إلى مناخ الاستقرار والعمل المشترك.

لقد تزايد الاهتمام بالقضية منذ عامين مع ظهور تنظيم «داعش». وجاءت هجمات بروكسل لترفع الغطاء عن معلومات تفيد بأن التنظيم ليس بعيدا عن الوصول إلى ما يسمى بالقنبلة القذرة. فوسط عمليات المداهمة التي قامت بها السلطات البلجيكية ضمن إطار البحث عن مرتكبي أحداث باريس عثرت على فيديو ظهر فيه عالم نووي بلجيكي رفيع المستوى أثار الشبهات بأن يكون مرتبطا بشكل أو بآخر بإحدى خلايا التنظيم في بروكسل. ومعروف أن السلطات هناك سارعت إلى تأمين المفاعلات النووية البلجيكية فور وقوع هجمات المطار والمترو.

بداية هناك اتفاقية تعلق بالموضوع، ومن الواضح تماما استنادا إلى حالة الهلع والذعر التي أصابت المجتمع الدولي الغربي تحديدا في الآونة الأخيرة، أنه لم يتم تفعيلها، وعندما تعزف روسيا عن المشاركة (تردد حضورها كمراقب فقط) فإن ذلك يضفي جانبا من الشكوك حول جدوى ما يجري في هذا المجال بالنظر إلى أنها هي والولايات المتحدة تمتلكان أكثر من 90% من المواد النووية، ومن ثم لا جدوى من الحديث عن تضامن جماعي لمنع وصول مواد نووية إلى «داعش» ومن على شاكلته.

أسباب فقدان التضامن تتحدث عن نفسها. فأوروبا تبدو أمام التنظيم ساحة مناسبة للغاية من حيث الاستهداف، فمن ناحية من السهل التحرك بين دولها عبر الحدود، وفيها منشآت نووية وعسكرية واقتصادية مهمة للغاية، وعلى أراضيها تعيش جنسيات مختلفة غير أوروبية ومساحة الحريات واسعة، وكلها تشكل فرصا سهلة للحركة. وبرغم إدراك الدول الأوروبية أنها مستهدفة وأن ظروفها تشكل فرصا للتنظيم إلا أنها لم تتمكن من تحقيق التعاون الأمني الفعال والمناسب مع أنها تشكل الاتحاد الأوروبي الذي من المفترض يضرب به المثل في التجارب الوحدوية الناجحة! كما اتضح أن التعاون الأمني بين تركيا والدول الأوروبية فيه من الهواجس والخلافات أكثر مما فيه من الثقة المتبادلة والاتفاق. وفي حالة توسيع دائرة المواجهة لتأخذ بعدا دوليا أكثر جماعية، يتضح أن الافتقاد للتعاون لا يقتصر على الحالة الأوروبية، بل يمتد ليشمل التحالف الغربي بمعناه الواسع أي تحالف أوروبا الغربية مع الولايات المتحدة، وكذلك على العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة أيضا. ما قاله أوباما لمجلة أتلانتك بخصوص الحرب على ليبيا كشف تقديرا سلبيا للغاية من جانبه لكل من الموقفين الفرنسي والبريطاني وأن بلاده أخطأت في الانصياع لكل منهما. وأما عن العلاقة الأميركية- الروسية فلا تخلو من الخلاف برغم محاولات الطرفين التغطية على ذلك. كلاهما يعلن أنه يحارب «داعش» ولكنهما يشككان في موقف كل منهما، وكثيرا ما قالت الولايات المتحدة إن روسيا لا تحارب التنظيم في سوريا. جميع الأطراف السابقة ليست متفقة لا سياسيا ولا أمنيا على كيفية التخلص من «داعش» ليس في سوريا والعراق فقط وإنما في بقية المناطق التي امتد إليها نشاط التنظيم. المؤتمرات وبيانات الطمأنة التي تتوالى وما أكثرها لن تجدي نفعا طالما وحدة الموقف الأمني والسياسي مفقودة.. مثل هذه الأجواء تخدم «داعش» ولا تضره لأنها تعني أن الفرص ستظل متاحة أمامه، وما تتخوف منه الدول الغربية من قدرة التنظيم الوصول إلى القنبلة القذرة على سبيل الاحتمال قد يصبح حقيقة يوما ما.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد