كتاب وأراء

الخرطوم والقاهرة ومفترق الطرق

- 1 -
قبل فترةٍ سُئِلَ الرئيس السوداني عمر البشير في مؤتمر صحفي بالخرطوم عن العلاقات السودانية المصرية، فقال إنها محكومة بقانون «شعرة معاوية».
ذلك الوصف في تلك الفترة كان يعكس حالة توتر خفي في العلاقة بين الدولتين، لم يُرِدْ البشير الكشف عن تفاصيل ما يحدث بعيداً عن الأضواء؛ أراد أن يُرسل إشارة فقط دون أن يُفصح ويُبين.
الآن كل شيء بات على المكشوف، وشعرة معاوية في حالة شدٍّ من الطرفين.
بكُلِّ تأكيد يُمكن القول إن العلاقة بين الخرطوم والقاهرة تمضي نحو الوصول إلى نقطة توتر غير مسبوقة في تاريخ العلاقة.
في الفترات السابقة، كان المسكوت عنه من خلافات وقضايا أكثر من الذي يبرز على السطح في شكل تصريحات وتلميحات، توضح وجود حالة التهابية في العلاقة تُعبِّر عن نفسها بتجاذبٍ إعلاميٍّ على ملفِّ حلايب، المنطقة الحدودية المتنازع عليها منذ خمسينيات القرن الماضي.
-2-
العلاقة بين الخرطوم والقاهرة، ظلَّت على مرِّ الأزمنة الحديثة، تتجنَّب المُواجهات المكشوفة والصراعات العارية، مهما بلغ سوء العلاقة بين الدولتين، فدوماً هناك خطوطٌ حمراء مُتَّفقٌ عليها ضمناً لا تتجاوزانها، ولكن ما سيحدث في الفترة القادمة ربما يتجاوز كُلَّ الخطوط الحمراء.
قبل فترة ما قبل التصعيد الأخير، طفَتْ على السطح كلمة «حرب» في المساجلات بين الدولتين حول حلايب. مصادر سودانية ذكرت لوسائل الإعلام أن ما يحدث في القضية محاولةٌ لجرِّ الأطراف إلى خيار الحرب.
-3-
في الفترة الأخيرة بلغ التوتر ذروته حينما كشف الرئيس البشير في حوار صحفي عن وجود دورٍ سالبٍ للمُخابرات المصرية تجاه السودان.
قبل أيام قلائل ذكر وزير الدفاع السوداني الفريق عوض بن عوف، خلال جلسة مُغلقة بالبرلمان بشأن الأوضاع الأمنية بالبلاد، أن «الجيش المصري يُمارس المضايقات والاستفزازات للقوات السودانية بمنطقة حلايب، ونحن نمارس ضبط النفس في انتظار حل المشكلة سياسياً بين الرئيسين البشير والسيسي».
عقب تصريح وزير الدفاع بأربعٍ وعشرين ساعة فُوجئ الإعلاميُّون بمعلوماتٍ جديدةٍ لم تكن معروفة، كشفها وزير الخارجية السوداني بروفيسور إبراهيم غندور، حين قال في تصريحات صحفية بمطار الخرطوم، إن السودان طالب مصر رسمياً بتفسير موقف نائب مندوبها في مجلس الأمن الداعي لإبقاء العقوبات المفروضة على السودان بموجب القرار 1591.
وكجزءٍ من التصعيد قام التليفزيون المصري بنقل صلاة الجمعة الماضية من مسجد حلايب، تأكيداً على مصريتها.
كل هذه التصريحات تأتي قبل وقتٍ قصيرٍ من وصول وزير الخارجية المصري الخميس المُقبل الخرطوم، مُترئساً وفد بلاده في اجتماعات اللجنة الوزارية المُشتركة بين البلدين.
-4-
ما يحدث من تصعيدٍ غير مسبوق بين السودان ومصر، ليس مصدره النزاع على حلايب؛ فالقضية قديمة وهي لا تمثل أكثر من تيرمومتر لقياس مستوى العلاقة صعوداً وهبوطاً.
مصدر وبؤرة الأزمة، هو موقف السودان المُؤيِّد لقيام سدِّ النهضة الإثيوبي، وهو أكبر السدود في قارة إفريقيا، ويُعرف باسم سد الألفية العظيم، حيث يبلغ ارتفاعه 145 متراً وطوله حوالي 1800 متر وتُقدَّر تكلفة إنشائه بحوالي 5 مليارات دولار.
لأول مرَّةٍ في تاريخ العلاقة بين البلدين يتَّخذ السودان موقف في ملف المياه مستقل عن الموقف المصري.
السودان اختار تبنِّي هذا الموقف بناءً على مصلحته الوطنية.
-5-
ما يُزعج مصر مع ذلك، اتجاه دول الخليج للاستثمار الزراعي في أراضي السودان الشاسعة.
الحكومة السودانية وقَّعت مع المملكة العربية السعودية على أربع اتفاقيات لتمويل سدود على نهر النيل، بما قيمته أكثر من مليار وربع المليار دولار.
واتفاقية زراعية أُخرى تمنح المملكة الحقَّ في زراعة نحو مليون فدان من الأراضي شرق السودان، بميزانية تقارب الـ 500 مليون دولار.
الأقدار الآن تضع السودان ومصر في مُنعطفٍ حاسمٍ لا يقبل مُسكِّنات المُجاملة والحلول الرخوة، إما الانتقالُ للتكامل الاقتصادي عبر مشاريع الشراكات الاستراتيجية الذكية، أو الخوض في معارك كسر العظم.
-أخيراً-
رغم كُلِّ ما حدث، ليس من المُستبعد بحسابات الربح والخسارة، أن يسعى الطرفان في ساعة وعيٍ وإدراك لإرخاء شعرة معاوية، فكل النتائج المترتبة على خيار المواجهة والتصعيد لن تُحقِّق سوى الخسارة الكبرى للدولتين.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال