كتاب وأراء

ليست مفاجآت بل حسابات خاطئة

أن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، مقولة شهيرة في عالم السياسة، بالنظر إلى أنه عالم يتعامل مع معطيات كثيرة غالبا ما تكون معقدة نتيجة التعارض في المصالح ووجهات النظر، ولكن بالمقابل كلما كانت الحسابات السياسية صحيحة أو قريبة جدا من الصحة، جاءت النتائج إيجابية، وفي هذه الحالة لا ترد على اللسان مثل هذه المقولة المحبطة. والملفت أن عالمنا العربي نصيبه كبير منها مقارنة بغيره حيث كثيرا ما تتردد المقولة جزافا مقترنة بحسابات خاطئة.

أكثر من مناسبة استدعت هذه المقولة وسط تفسيرات جاءت حمالة أوجه. وزاد البعض بإضافة كلمة الصدمة لها تأكيدا من جانبه للملابسات والوقع السيئ الذي ترتب عليها من ناحية، وإشارة من ناحية أخرى إلى أنها لم تكن متوقعة، أو جاءت على عكس مسار الحسابات السياسية المعتادة التي جرى العمل بها لمدة طويلة.

البداية جاءت من المشهد اللبناني الراهن، وذلك عندما تحفظ أو رفض وزير خارجيتها إدانة الاعتداء الذي وقع على السفارة السعودية في طهران إرضاء لحزب الله. وقد بدا الموقف اللبناني شديد الغرابة وليس متوقعا على الإطلاق، خصوصا وأن فضائل السعودية على لبنان قديما وحديثا لا تعد ولا تحصى.

لقد فاق العجز السياسي اللبناني الداخلي كل تصور. يكفي الإشارة إلى أنه بلد بلا رئيس منذ وقت طويل لأن الثلث المعطل الذي يتزعمه حزب الله يقف عائقا. وكيف يجرؤ وزير ما على أن يجعل الموقف الرسمي لبلاده هو موقف الحزب مع أن الحكومة موقفها غير ذلك تماما. يحدث ذلك بينما بقية القوى اللبنانية منقسمة ما بين المعترض على مواقف الحزب والمتفرج والمؤيد.

المناسبة الثانية لما وصف بأنه مفاجأة هي قرار روسيا سحب قواتها من سوريا بعد نحو ستة شهور. لم تبدر من موسكو مقدمات ترجح أنها متجهة إلى سحب القوات، ولم يكن مفهوما أن روسيا التي تؤازر الأسد ونظامه يمكن أن تتركه في العراء عسكريا بينما هناك مفاوضات سياسية بين النظام والمعارضة ليس معروفا إلى أين تنتهى. ولذلك وصفت الخطوة الروسية بأنها مفاجأة. ولكن الحسابات السياسية الخاطئة هي التي قادت لهذا الشعور. فطوال الأسابيع الماضية بدا الموقفان الروسي والأميركي متقاربين إلى حد كبير وتمكنا من التوصل إلى وقف لإطلاق النار وتعهدا بضمانه، وكلاهما دفع بشدة لمفاوضات جنيف برغم ما أحاط بها من عقبات جاءت من النظام والمعارضة معا.

الشعور بالمفاجأة والصدمة هو جانب من ثقافتنا العربية السياسية التي لا تتعلم من دروسها ولا من دروس الآخرين. لا تحدث إلا إذا عبرت عن موقف أو تصرف خارج تماما عن الحسابات المنطقية. منطقتنا العربية وحدها المعتادة على هذا الشعور عندما تجد نفسها أمام تحرك مختلف عما كانت تدبر له وتحسبه. ثم أن هذا الشعور في حد ذاته مسألة شخصية في كثير من جوانبه، فما هو مفاجئ لطرف ما يخضع لتقديره هو بينما ليس بالضرورة مفاجئا للطرف الآخر.. ما نعيشه الآن ليس مفاجآت بل تطور منطقي للأحداث. استسهال اللجوء إليه كمخرج لتفسير تقلبات الأحداث نوع من الهروب إلى الأمام بدلا من التوقف عن تكرار الحسابات الخاطئة.



بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد