كتاب وأراء

أقوال وأفعال

كتب الطبيب العالمي «جيمس ماكنتوش» خطابا إلى نفسه عندما كان في الأربعين من عمره، وتعهد ألا يقرأ هذا الخطاب إلا في عيد ميلاده الخامس والستين. طبعا إذا عاش. وبعد أن انقضت المدة فض الخطاب وقرأ ما كتبته يداه حين كان في أوج مجده كرئيس لكلية الطب في لندن.
جاء في الخطاب:
«عزيزي ماكنتوش؛ لقد ترددت قبل أن أدعوك باسمك المجرد، لاني لا أعرفك بالقدر الكافي الذي يسمح لي بذلك، ولكن مهما يكن الأمر، فإنه يخيل إليَّ أنك ستكون الرابح من نصيحة صديق أهديها لك، لقد ظهرت في شخصيتك وآرائك اتجاهات كريهة لعلها ستزداد وضوحا مع تقدم العمر، إنك أولا أصبحت كثير الكلام، فحاول أن تتخلص من هذه الخصلة، لأنها بادرة عزوفك عن تلقي العلم ممن هم أصغر منك، وستمنعك هذه الخصلة من تعلم أي شيء، فحاول أن تكون مستمعا، ولا تحاول التشكك في الناس ونواياهم، وتجنب على الأخص التدخل في شؤون من هم أصغر منك، حتى لو اعتقدت أنك تساعدهم، فإذا سألك أحدهم النصح فانصحه بكل قلبك وعقلك ولكن حاذر أن تغضب إذا لم يعمل بها، ولا تمثل دور الرجل المتعب الذي يحتاج إلى عبارات الثناء والتعاطف، ثم عليك أن تنمي ثلاث خصال كلما مرت عليك الأعوام: تقدير الظروف، التسامح، النزاهة. وأعني بتقدير الظروف أن تكون لديك القدرة على وضع نفسك في مكان الآخرين، وتلك صفة نادرة وجميلة، وأعني بالتسامح القدرة على فهم وجهات نظر الآخرين، والحكم عليهم على هذا الأساس، ولا أقصد بالطبع سرعة التسليم بأي شيء ما دام قد وقع، وأقصد بالنزاهة تلك الروح المتسامية التي لا تقيد نفسها بأشياء تافهة، وأهم نقطة أحب أن ألفت انتباهك لها هي أنك في الخامسة والستين من عمرك، توشك أن تعتزل الحياة، فاعتزلها، ولا توهم نفسك أنك رجل ممتاز لا ينطبق عليك ما ينطبق على غيرك، فنحن كلما كبرنا قلت قدرتنا على نقد أنفسنا، وكما قال الشاعر ميرديت: يمكنك أن تقيس روح الشباب عندك بمقدرتك على تقبل التعليقات الساخرة التي يطلقها عليك الذين تحبهم، دون أن يقل حبك لهم، وأكثر من ذلك، في استطاعتك أن ترى نفسك مثيرا للسخرية بعض الشيء في عيون من يحبونك.. ثم تتقبل النصائح التي يوجهونها لك».
الغريب في الأمر أن هذا الطبيب الحكيم لم يكن محتاجا لهذه النصائح بعد خمسة وعشرين عاما من كتابتها، فقد أكتشف أنه طبقها طوال تلك الفترة.. بصعوبة.. لكنه طبقها.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري