كتاب وأراء

أيهما أجدى؟ بين الدبلوماسية والقوة العسكرية

في الولايات المتحدة ظاهرة مثيرة للغاية.
يتمثل الوجه الأول لهذه الظاهرة في قرار الرئيس دونالد ترامب زيادة موازنة وزارة الدفاع 54 مليار دولار ؛ وفي تخفيض موازنة وزارة الخارجية 37 مليار دولار.

ويتمثل الوجه الثاني للظاهرة في ان 120 جنرالاً أميركياً من الجيش والبحرية والطيران وقّعوا على رسالة مشتركة وجهّوها إلى الرئيس الأميركي يطالبون فيها بزيادة موازنة وزارة الخارجية.. وليس وزارة الدفاع!
ماذا تعني هذه الظاهرة بوجهيها؟
المعنى الأول هو ان الرئيس الأميركي يعتمد في سياسته الخارجية على وزارة الدفاع، وليس على وزارة الخارجية. أي على القوة العسكرية وليس على الدبلوماسية.
والمعنى الثاني هو ان أركان القوات الأميركية المسلحة يؤمنون بأن الدبلوماسية هي أشد فعالية وافضل أثراً من القوة المسلحة لتمكين الولايات المتحدة من إقامة علاقات أمنية مع دول العالم.
وفي الاحصاءات الرسمية الأميركية ان تكلفة جندي واحد يعمل خارج الولايات المتحدة تعادل تكاليف بناء أربعين مدرسة في الدول النامية. وهذا يعني ان تكاليف مئات الآلاف من الجنود الأميركيين المنتشرين في القواعد العسكرية في آسيا وأوروبا وافريقيا وأميركا اللاتينية تكفي لاجتثاث الأمية.. ولمعالجة الفقر في العالم كله.
واستناداً إلى الأمم المتحدة فان ثمة 20 مليون إنسان يعانون من المجاعة في افريقيا والشرق الأوسط فقط. وقد ارتفع هذا الرقم مؤخراً نتيجة الجفاف الذي ضرب شرق إفريقيا.
وفي الاحصاءات الرسمية الأميركية ايضاً، فقد تمت تصفية 648 حركة أو منظمة إرهابية في العالم بين عامي 1968 و2006. وان ذلك جرى من خلال الاحتواء السياسي والعمل الدبلوماسي في الدرجة الأولى. ومن بين تلك المنظمات الإرهابية، تمّ القضاء على 7 بالمائة فقط منها، أي 32 منظمة بالقوة العسكرية.
من هنا فان الدبلوماسية – القوة الناعمة– هي أكثر فاعلية من العسكرية – القوة الخشنة، في معالجة القضايا المتعلقة بالعلاقات الدولية، بما فيها القضايا الأمنية. وهذا ما أدركه الجنرالات المائة والعشرين الذين وقّعوا على الرسالة المشتركة، وهو ما لا يدركه الرئيس الأميركي الجديد.
ولكن، وحتى لا يُظلم هذا الرئيس، لا بد من الاشارة إلى انه ليس الرئيس الوحيد الذي أهمل القوة الناعمة وتجاهل دورها، واعتمد على القوة الخشنة. ففي مدينة نيويورك وحدها، يوجد من رجال الأمن ضعفي عدد الدبلوماسيين الأميركيين في العالم. بل ان عدد أعضاء عناصر الفرق الموسيقية العسكرية في الجيش الأميركي، يفوق عدد جميع الدبلوماسيين الأميركيين العاملين في السفارات والبعثات الدبلوماسية الأميركية في العالم. ولا يزيد عدد هؤلاء الدبلوماسية على عدد أعضاء فرقتين فقط من فرق الجيش الأميركي.
ويبدو ان الولايات المتحدة تؤمن كغيرها من الدول الكبرى، وتعمل بموجب عبارة الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ التي قال فيها «أن القوة السياسية تتدفق من فوهة المدفع»!!.
ولكن هل تستطيع الولايات المتحدة ان تقضي، مثلاً، على تهريب المخدرات إلى مدنها بقوة المدفع؟ فالمخدرات اصبحت القاتل الأول في المجتمع الأميركي، إذ يموت سنوياً من جراء تناول المخدرات أكثر مما يقتل من الأميركيين في الحروب الخارجية في العراق وأفغانستان معاً.
لقد نجحت القوات الأميركية في منع تمدد حركة طالبان، كما حالت دون انتشار خطرها. ونجحت في حصره في الداخل الأفغاني – ولو إلى حين -، ولكنها لم تنجح في منع وصول المخدرات الأفغانية إلى المستهلك الأميركي.
لقد استخدمت واشنطن كل الوسائل العسكرية مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي للقضاء على تلك الحركة المسلحة، ورغم سقوط مئات الآلاف من الضحايا، فان العمل العسكري وحده أثبت عدم جدواه. لقد قُتل الآلاف ودُمرت قرى ومدن ومنشآت، ولكن لم تبنِ الولايات المتحدة مستشفى ولا جامعة، ولا شقّت طريقاً عاماً. كل ما فعلته اقتصر على تدريب العسكريين الأفغان.. الذين يوجهون اليها الضربات الموجعة من الخلف عندما تسنح لهم الفرصة!
من هنا، ليس بالقوة وحدها تساس الدول. وليس بالقوة وحدها تحقق هيبتها وتفرض احترامها. هكذا يقول جنرالات الجيش الأميركي للرئيس ترامب. ولكن للرئيس منطقاً آخر..
بقلم : محمد السماك

محمد السماك