كتاب وأراء

ما وراء رسائل موسكو وواشنطن

ما صاحب وقف إطلاق النار الهش في سوريا من رسائل متضاربة لكل من روسيا والولايات المتحدة يؤكد مجددا أن العقبة الرئيسية التي تعترض تفعيل خطوات المرحلة الانتقالية هي عدم اتفاق الطرفين على النتائج المنتظرة منها، حيث تراها روسيا إنقاذا لنظام الأسد، بينما تراها الولايات المتحدة نهاية لهذا النظام. ومن عينة هذه الرسائل المتضاربة ما صدر عن موسكو بأنها تأمل أن تصبح سوريا دولة فيدرالية، وهو ما سارعت واشنطن إلى رفضه، وما صدر من الأخيرة عن وجود خطة بديلة لفشل لوقف إطلاق النار، وهو ما سارعت الأولى إلى نفيه!.

فجأة وعلى غير السياق المصاحب لمحاولات معالجة التعثر الذي واجه أولى جولات جنيف- 3 شدت موسكو الانتباه عندما صدر عن نائب وزير الخارجية الروسي كلاما عن رؤية بلاده لما يمكن أن تنتهي إليه مفاوضات المرحلة الانتقالية مضمونه أن الحكم الفيدرالي هو الأفضل للنظام السوري المنتظر مستقبلا. في الحال رفضت وزارة الخارجية الأميركية على لسان المتحدث بإسمها جون كيربي ذلك حيث قال: لا أحد يفكر بتحويل سوريا إلى دولة فيدرالية.. نحن نريد سوريا الموحدة والكاملة وغير الطائفية . ولم يفته التأكيد على أن موسكو كانت قد وقعت على سوريا الموحدة.

وبقليل من التأمل فإن كلا من الموقفين الروسي والأميركي في هذه النقطة تحديدا، أي الفيدرالية، قد جاء على غير حقيقته. فالفيدرالية إحدى الآليات المتبعة لتوحيد ما هو مقسم أو تعددي وليست أداة لصناعة التقسيم. لا ضير من الفكرة في ذاتها ولكن تفصيلها على سوريا فيه قدر كبير من الافتعال.

ومن المؤكد أن روسيا تعلم وتتابع كل هذه الحقائق، ومن ثم فإن دعوتها إلى الفيدرالية ليست من منطلق قبولها بالأمر الواقع الراهن ولا برغبتها في تقسيم سوريا مستقبلا. ومن جهة أخرى فإن الرد السريع والشديد من واشنطن برفض الفكرة وتذكير موسكو بأنها التزمت أصلا بوحدة التراب السوري هو بدوره لا علاقة له بالفيدرالية لأنها أول من يعلم أن الفيدرالية لا تعنى التقسيم. القصة أبعد من ذلك حيث تكشف أن ما سعى إلى تجنبه كل من الطرفين الروسي والأميركي طوال الفترة الماضية وهو الحديث صراحة وبكل وضوح عن طبيعة الحكم الذي يريده كل طرف لسوريا مستقبلا قد أصبح على الطاولة من الآن. روسيا ترى في الفيدرالية اختيارا يسمح بوجود سلطة مركزية بقيادة النظام القائم حتى لو لم يكن بقيادة الأسد. وإن لم تكن الفيدرالية فلتكن اللامركزية، المهم أن يبقى النظام القائم (الحليف والصديق معا). وأما الولايات المتحدة فتريد زوال النظام القائم جملة وتفصيلا، نظام يقيم دولة مركزية جديدة تماما على الطراز الديمقراطي الغربي حليفة وصديقة لها.

وأما ما يتعلق بالخطة البديلة، فقد أوضحت واشنطن أنها خطة لا علاقة لها بتشكيل حكومة فيدرالية أو بتقسيم سوريا، وإنما تتعلق بإمكانية مشاركة قوات أميركية خاصة في إطار دعم المعارضة المعتدلة حسب توصيفها، وإقامة مناطق حظر جوي وأخرى آمنة لمنع نزوح المزيد من السوريين.ومع أن ذلك لا يزال تصورا نظريا وإن حدث سيكون مكلفا من ناحية وغير مضمون النتائج من ناحية أخرى، إلا أنه يأتي ضمن استباق نتائج المرحلة الانتقالية بما يرجح التصور الأميركي وهو إسقاط النظام القائم. ولذلك جاء الرد الروسي المشكك سريعا أيضا.



بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد