كتاب وأراء

على الطريق

إذا فقد المرء رجلاَ أو عينا، فهو يعرف أنه فقد رجلا أو عينا.. ولكن إذا فقد نفسا- نفسه.. فليس بإمكانه أن يعرف ذلك لأنه لم يعد موجودا ليعرف..
هذه كلمات الطبيب والأديب «أوليفر ساكس» الذي عاش ومات وهو مؤمن بكل حرف كتبه، وبقدر اهتمامه بالكتابة كان يهتم بمرضاه، وكان يخصص لكل مريض مهما كان وضعه الاجتماعي وقتا طويلا.. يسأله فيه عن أدق التفاصيل، لذلك أحبه مرضاه ووثقوا فيه.
وقبل وفاته ببضعة أشهر كتب مقالة مؤثرة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» بدأها بهذه الكلمات: في الشهر الماضي شعرتُ أنني بصحة جيّدة، بل أنني في كامل صحتي. في عمر الـ 81، ما زلت أستطيع السباحة لمسافة ميل واحد يومياً. لكن حظي بدأ ينفد، قبل أسابيع قليلة علمت بأنني مُصاب بورم خبيث منتشر في الكبد. مضت تسعة أعوام عندما أُصبت بورم نادر في العين، وعلى الرغم من أن العلاج بالإشعاع والليزر أزالا الورم تماماً وبسببهما أصبحت لا أرى بتلك العين، إلا أن الخلايا السرطانية لم تتوقف عن الانتشار، وهذه حالة نادرة جداً تجعلني من الـ2% غير المحظوظين.. ومع ذلك أشعر بالامتنان لأنني عشت خلال التسع سنوات الماضية في صحة جيدة وكنت شخصاً مُنتجاً منذ اكتشافي للمرض الأول. ولكنني الآن يجب أن أواجه الموت. احتل السرطان ثلث كبدي، على الرغم من أن نموه قد يكون بطيئاً، لكن هذا النوع من السرطان لا يمكن علاجه وأعد نفسي محظوظاً لأنني عشت أكثر من ثمانين سنة، أما الـ 15 سنة الماضية التي أُصبت فيها فقد كانت غنية بالعمل والحب: أصدرت خمسة كتب، وأتممت كتابة سيرة ذاتية لي ليتم إصدارها هذا الربيع، ولدي كتب أخرى تنتظر النور، خلال الأيام الماضية، استطعت أن أرى حياتي من منظور عظيم، كأحد المناظر الجميلة مع إحساس عميق بالانتماء لجميع تفاصيلها. هذا لا يعني أنني اكتفيت من الحياة، بل على العكس تماماً، أشعر بأنني حيّ وبقوة، وأريد بل وآمل أن أوطّد صداقاتي أكثر خلال الفترة المتبقية لي، وأن أودّع هؤلاء الذين أحبهم، وأن أكتب أكثر، وأن أسافر إن كانت لدي القوة لذلك، وأن أحقق مراحل جديدة من الفهم والإدراك، وهذا سيقتضي الجراءة والوضوح في محاولة تقوية حساباتي مع العالم. لكن سيكون هناك الوقت أيضاً لبعض المرح وحتى لبعض التفاهة أيضا.. ليس هناك وقت لأي شيء غير ضروري. يجب أن أركز على نفسي، وعلى عملي وأصدقائي. سوف أتجاهل مطالعة الصحف ولن أعير اهتماما للسياسة، ليس عن لامبالاة.. بل بموضوعية.. لأن كل هذه الأمور ليست من شأني الخاص. ولأنها تنتمي للمستقبل..
أصبحت واعياً بشكل متزايد، خلال العشر سنوات الماضية، بموت أقراني. جيلي يمضي، وكل وفاة لأحدهم أشعر بأنها انقطاع وتمزيق لجزء مني. لن يكون هناك أشخاص مثلنا عندما نمضي، ولن يكون هناك شخص يشبه آخر أبداً. عندما يموت الأشخاص، لا نستطيع استبدالهم. يتركون ثقوباً لا نستطيع أن نملأها. على كل إنسان أن يكون شخصاً منفرداً بأن يعثر على طريقه الخاص به، وأن يحيا الحياة الخاصة به، وأن يموت بطريقته الخاصة..!
لا أستطيع أن أتظاهر بأنني بلا خوف. لكن شعوري السائد الآن هو الامتنان، لقد أحببت، وكنتُ محبوباً. أُعطيت الكثير، وأَعطيت أشياء بالمقابل. قرأت كتباً، وسافرت، فكرت وكتبت. وصارت لي علاقة مع العالم، علاقة خاصة بالكتّاب والقراء وفوق ذلك كله، كنت كائناً واعياً، وإنسانا مفكراّ على هذا الكوكب الجميل، وهذا في حد ذاته مغامرة وامتياز.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري