كتاب وأراء

ملائكة وشياطين

سبع خصال يجب أن تتوفر في الطبيب كما ذكر أبو الطب «ابقراط» أولها تمام الخلق وصحة البدن والعقل والذكاء، وثانيا أن يكون حسن الملبس طيب الرائحة نظيف البدن والثوب، ثالثا أن يكون كتوما لأسرار المرضى ورابعا أن تكون رغبته في علاج مرضاه أكثر من رغبته في كسب المال، ورغبته في علاج الفقراء أكثر من رغبته في علاج الاغنياء، وأن يكون حريصا على التعلم ولا يكتفي بما تعلمه.. سادسا أن يكون سليم القلب عفيف النظر صادق اللهجة.. وأن يكون مأمونا على الأرواح والاموال، لا يصف دواء قاتلا. ويعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج صديقه.. ولا يختلف القسم الخاص به والذي يؤديه الاطباء عند تخرجهم في جميع أنحاء العالم عن هذا المعنى.. وإن كان معظمهم لا يجدون له معنى! مجرد كلمات تقال.. وهذا ما اكتشفه أحدهم وهو طبيب الأعصاب البروفيسور (اوليفر ساكس) عندما تعرض لحادثة كاد يفقد فيها ساقه... فبين لحظة وضحاها تحول من طبيب إلى مريض. ومنحه هذا التحول الإدراك والفهم لما يعانيه المرضى من لامبالاة الأطباء. وبعد شفائه تغيرت معاملته لمرضاه. لم يعودوا مجرد حالات بل أشخاص من لحم ودم. أشخاص يعانون من المخاوف والألم والعزلة. وقد استوعب هذا الأمر منذ تم إدخاله للمستشفى... إذ تستبدل ثياب المرء الخاصة بثوب نوم مجهول المصدر... ويطوق معصمه بسوار هوية عليه رقم. ويصبح خاضعا لقوانين وأنظمة مؤسساتية. لا يعود الشخص عمليا حرا. ولا يعود له حقوق، ولا يعود في العالم بصورة عامة. لا يعود المرء شخصا، وقبل أن تُجرى له العملية كان «البروفيسور» يتوق لإجراء محادثة مع الجراح الذي سيجري له العملية. لكن الجراح اكتفى ببضع كلمات واختفى. وبعد العملية ذهب لزيارته برفقة مجموعة من الطلاب وأيضا لم يتح له الجراح فرصة لطرح الأسئلة أو الاستفسارات مما جعله يشعر بالصدمة التي يعبر عنها بقوله: كنت مشدوها...كل المخاوف والشكوك المعذبة، والتوقعات التي علقتها على هذا اللقاء. والآن هذا؟ وفكرت أي نوع من الأطباء هذا؟ أي نوع من الأشخاص هذا؟ إنه حتى لم يستمع إليّ. لم يُظهر أي اهتمام. هو لا يستمع إلى مرضاه. ولا يهتم البتة. ان رجلا كهذا لا يستمع أبدا إلى مرضاه، ولا يتعلم منهم، دليل على أنه ينبذهم، ويحتقرهم، ويعتبرهم لا شيء. وفي فترة النقاهة اكتشف الطبيب المريض أثناء تجواله في الحديقة أن المرضى فقط هم من يتعاملون معه بود واهتمام.. أما الأطباء والزوار والطلاب والممرضات فيتجنبون الاحتكاك به وبالمرضى لا شعوريا. وكما لو كانوا مصابين بالجذام. ويعترف بأنه لم يكن مختلفا عنهم حين كان موفور الصحة. ويمارس مهنة الطب، فقد كان يرتعد من المرضى بدون إدراك واع. ينظر إلى الأوراق لا إلى وجوههم.. لكن تجربته مع المرض غيرت طريقته في التعامل مع المرضى.. غيرته تماما، تُرى هل يجب أن يمر كل طبيب بمثل هذه التجربة ليشعر بآلام الآخرين.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري