كتاب وأراء

عيد العمال.. والصراع الطبقي في فرنسا

جاء الاحتفال بعيد العمال في الأول من مايو هذا العام ليعيد إلى الأذهان المواجهات التي شهدها هذا اليوم من عام 1886 بين مئات الآلاف من العمال ورجال الشرطة في مدينة شيكاغو الأميركية، ويظهر أن هذا المشهد عاد ليتكرر هذه الأيام في المدن الفرنسية التي تندلع فيها منذ مدة التظاهرات والاحتجاجات، والتي تحولت الأسبوع الفائت عشية عيد العمال إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة، سقط بنتيجتها العديد من الجرحى من المتظاهرين ورجال الأمن.

ومثل هذه المواجهات والتظاهرات باتت تتكرر كل أسبوع تقريباً، وهي تأتي في سياق الرفض العمالي والشعبي والطلابي الواسع النطاق لقانون العمل الجديد الذي قدمته الحكومة إلى البرلمان ويتضمن تعديلات جوهرية تمس الضمانات والمكتسبات المحققة للعمال والشغيلة منذ أكثر من مائة عام بفضل النضالات العمالية والتضحيات التي قدمتها الطبقة العاملة، إن كان لناحية تحديد ساعات العمل اليومي بثماني ساعات، أو لناحية الأجور وديمومة العمل وسن التقاعد والحقوق والضمانات والاجتماعات.. الخ.

ويبدو من جميع المعطيات والمؤشرات أن فرنسا تتجه شيئاً فشياً نحو احتدام في الصراع الطبقي، نتيجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العاصفة بالبلاد منذ سنوات في أعقاب حدوث الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، والنابعة بشكل رئيسي من تراجع معدلات النمو في الدول الرأسمالية الغربية ومن ضمنها فرنسا، نتيجة اشتداد المنافسة الاقتصادية العالمية على الأسواق، بعد دخول الصين والهند وغيرهما من الدول الصاعدة اقتصادياً سوق المنافسة الاقتصادية وتسجيلها معدلات نمو مرتفعة هي الأولى في العالم.

هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي أدى عملياً إلى:

- انخفاض معدلات النمو وبالتالي تراجع أرباح الشركات الرأسمالية.

- اشتداد الأزمة الاجتماعية، واستطراداً تفاقم الضائقة المعيشية لدى عموم الفرنسيين.

غير أن الشركات الرأسمالية رفضت التكيّف مع هذا الواقع، والقبول بتراجع هامش أرباحها وعمدت إلى وضع خطة تتكون من عنصرين:

العنصر الأول: الضغط على الحكومة لأجل تعديل قانون العمل بحيث يسمح لأرباب العمل بزيادة ساعات العمل من دون زيادة الأجور والطرد التعسفي ورفع سن التقاعد.

العنصر الثاني: القيام بنقل العديد من المعامل إلى دول أوروبا الشرقية والهند وغيرها من الدول، حيث أجور اليد العاملة والمواد الأولية الأقل كلفة.

طبعاً الشركات الرأسمالية نقلت الكثير من المعامل، ولم تنتظر تعديل قانون العمل للإبقاء على المعامل في فرنسا، وهي حافظت على أرباحها، وأقدمت كذلك على استقدام عمال من دول أوروبا الشرقية بأجور رخيصة وشغلتهم بدلا من العمال الفرنسيين وأدى نقل المعامل إلى تقلص عدد العمال الفرنسيين في شركة بيجو للسيارات من 40 ألف عامل إلى 13 ألف عامل.

ومن الواضح أن حكومة الاشتراكيين الفرنسيين تواجه تحدياً كبيراً فهي بموافقتها على تعديل قانون العمل تكون قد انحازت إلى جانب أصحاب الشركات الرأسمالية على حساب حقوق العمال والطلاب وغيرهم من الفئات الفرنسية المتضررة من هذا التعديل، وكذلك تسببت بأزمة داخل الحزب الاشتراكي الذي شهد انقساماً على خلفية هذا القانون حيث رفضه العديد من قادته وقواعده الذين شاركوا في التظاهرات والاحتجاجات المعارضة.

ويؤشر هذا التطور في الصراع الاجتماعي إلى الآتي:

أولاً: إن الأزمة تتجه نحو التصاعد، في ظل اشتداد الهجوم على مكتسبات العمال والفئات الاجتماعية الأخرى ما يعني أن فرنسا ستشهد استعاراً في حدة الصراع الطبقي، خصوصاً وأن الطبقة الرأسمالية لا تريد القبول بتقلص هامش أرباحها وتسعى إلى الحفاظ عليها من خلال فرض تشريع يحرم العمال وغيرهم من الفئات الاجتماعية من ضماناتهم الاجتماعية وحقوقهم التي ينص عليها القانون.

ثانياً: إن مرحلة الازدهار التي كانت تنعم بها فرنسا وتحقق من خلالها الرأسمالية الفرنسية الأرباح الكبيرة التي جعلتها تقبل بقانون عمل يعطي الحقوق والمكتسبات للعمال قد انتهت، وهذا يعني أن فرنسا دخلت في مرحلة الصراع الحاد على الخيارات الاجتماعية.

ثالثاً: إن الأزمة الاجتماعية سوف تؤدي إلى إحداث فرز طبقي داخل الأحزاب والقوى السياسية والنقابات، وكذلك داخل المجتمع، بين من يقف في صف الغالبية الساحقة من الفرنسيين الساعين للحفاظ على حقوقهم، وبين من يقف في صف الشركات الرأسمالية والمستفيدين منها.



بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي