كتاب وأراء

الأسد والضربة الأميركية .. هل تغيرت رؤية ترامب؟

فعلها الرئيس الأميركي.. قام بـ«معاقبة» بشار الأسد على استعماله غاز السارين الذي قتل عشرات الأبرياء، ما اعتبره «عاراً على الإنسانية».. لم يكن بوسع دونالد ترامب عدم الرد على اعتبار أنها الفرصة الأولى كي يفرض «هيبته» ويثبت أنه صاحب قرار، ولكي يطلق أكثر من رسالة، وبالأخص باتجاه «الثعلب الروسي» الذي يسعى إلى استمالة ترامب، وباتجاه الإيراني خامنئي الذي تعتبر الإدارة الجديدة أن نظامه هو الداعم الأول للإرهاب.
لم يكن بوسع ترامب ألا يقرن القول بالفعل بعدما عبر عن صدمته قائلاً: إنّه «يتعذر وصف هجوم ضّد حتى الأطفال الرضع»! فهل غيّر موقفه من الأسد الذي قال في السابق إنه غير معني بإسقاطه؟ كان جوابه عشية الضربة: «سترون».
قرار الرئيس الأميركي بقصف قاعدة «الشعيرات» الجوية السورية أربك الآخرين أكثر من أنه فاجأهم.. فالكل كان يعلم عملياً أن قراراً اتخذ وتداولته حتى وسائل الإعلام الأميركية، بدليل أن ترامب آخر اجتماعه مع الرئيس الصيني الذي وافاه إلى منتجعه في فلوريدا لكي يختلي مع مستشار الأمن القومي ووزير الدفاع العسكريين للتداول في القرار النهائي.. كما أنه من المرجح أن موسكو أحيطت مسبقاً علماً بالقرار ما مكنها من إجلاء المستشارين العسكريين الروس من القاعدة.. رغم ذلك، حاولت لعب دور المتفاجئ والغاضب و«المستنكر للعدوان»، والمسارع إلى طلب انعقاد مجلس الأمن. والمثير المضحك في ردة الفعل الروسية أنها اشتكت من أن الضربة تمت من دون موافقة أو تفويض الأمم المتحدة، فيما سلاح الجو الروسي يسرح ويمرح في الأجواء السورية، ويقصف ويقتل ويدمر منذ سنة ونصف السنة دعماً لنظام الأسد المتهاوي من دون أن يأخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إذن أو تفويض أحد.
ويعكس هذا الإخراج السيئ للموقف حقيقة الإرباك الذي تعيشه موسكو في كيفية التعاطي مع الإدارة الأميركية الجديدة، التي كان رئيسها أبدى استعداده لفتح صفحة جديدة معها.. أمسكت موسكو عسكرياً بالأرض السورية وبزمام المبادرة السياسية، وجمعت أوراق التفاوض، وهي تقف في حيرة بانتظار معرفة النهج الذي سيسلكه ترامب سورياً، لأنها تدرك أنها غير قادرة على فرض حل بمفردها.. ولكن ترامب عاد وفرمل خطواته بعد فضيحة تواصل بعض مستشاريه سراً مع موسكو خلال الحملة الانتخابية، واضطرارهم إلى الاستقالة.. ولأنه، وهذا الأهم، يريد أن يستعيد دور ومبادرة «أميركا القوية» وقد أصبح لديه أكثر من 2000 مارينز على الأرض في شمال سوريا.
أما طهران فهي مرتعدة من نوايا ترامب العدوانية تجاهها، فهو من جهة يشدد العقوبات غير آبه بـ«الاتفاق النووي» الذي وقعه سلفه باراك أوباما، ويقوم من جهة أخرى بإسماع حليفها وربيبها الأسد وقع صواريخه في سوريا.. فيما أوروبا تؤيد هز العصا للأسد، ولكنها مكبلة بالاستحقاقات الانتخابية والإرهاب والنزوح، في فرنسا بعد أقل من أسبوعين، وفي ألمانيا بعد خمسة أشهر، وإنجلترا منهمكة بإجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي.
الخلاف بين روسيا وأميركا حول سوريا لغاية اليوم يبقى تكتيكياً.. موسكو تتمسك بالأسد كورقة للتفاوض لتثبيت دورها المستعاد في المنطقة ولمساومة واشنطن على تسوية في أوكرانيا.. وهذا الأمر ممكن أن يضمنه أي حكم أو سلطة ما بعد الأسد.. أما واشنطن فتريد أن يبقى السيف مسدداً إلى رقبة طهران عبر استمرار تورط الأخيرة واستنزافها في الحريق السوري.. لكل من الطرفين أوراقه إذن والتقاطع واضح حول مصير الأسد، وإنما الأمر يتعلق بالتوقيت.. لكنه ليس واضحاً ولا مسهلاً بالنسبة لبوتين وعلاقته الملتبسة بطهران.. الطرفان لم يتفقا بعد على ضرورة إسقاط الأسد، كيف ومتى.. والشرط الأهم، والذي له الأولوية، هو بديل الأسد الذي لم ينضج بعد بالنسبة للطرفين.. وطالما لم ينضج سيبقى الأسد وخطر غاز السارين يتهدد السوريين.. ويصبح مشروعاً الاستنتاج أو التساؤل عما إذا كان هدف الضربة فقط رادعاً حتى إشعار آخر.
بقلم: سعد كيوان

سعد كيوان