كتاب وأراء

التعليم السيئ وحصاده المر

عرف بأنه متدكتر، وأنه منذ أن أضيف حرف «الدال» سابقا لاسمه، وهو لا يحب أن ينادى إلا بالدكتور فلان.
وفي واقع الامر، انه يحق له منا ذلك، ولكن يحق لنا منه أن يتطابق قوله وفعله، وألا يستخدم ألفاظا نابية في أحاديثه، وألا يكون غوغائيا وغير مرتب الفكر في جدله مع الناس، وألا يلتمس عذرا للمرتشين والمتحرشين، وإلا ستجد نفسك ناقما على الجامعة التي منحته درجة الدكتوراه في التربية، مرتابا أن يكون الرجل قد مر بمراحل التأهل التقليدية للحصول على هذه الدرجة العلمية، فهل الحصول على درجة الدكتوراه صار بهذه البساطة التي لا تقوّم اعوجاجا.
ويبدو أن عالمنا العربي لم يتبين حتى الآن العلاقة بين التعليم السيئ من جهة والإرهاب وما يسمى التحرش الجنسي وسوء الادب في مانشيتات صحف وفي لغة الحوار على صفحات التواصل الاجتماعي وأيضا الغوغائية بلغة التخاطب بالشوارع والمجالس من جهة أخرى، كما لم نتبين بعد انه لا رجاء من أية مشروعات تنمية طالما اننا لم نبدأ بالتعليم والصحة بداية مستنيرة، ولم نتوجه للإنسان صانع هذه التنمية والمتلقي لعوائدها، كما لم نتبين بعد أن المدرسة الحديثة المنتجة للتعليم الجيد هي صناعة ثقيلة لها عوائد وثمار اقتصادية تفوق اية صناعة اخرى، فالافتقار للتعليم الجيد، الذي فيه من التربية وتقويم النفس والسلوك بمبادئ وقيم عصرية رشيدة، وفيه من المعارف التي توصف بانها بترول القرن الحادي والعشرين، هو جذر ما تعانيه الأمة في فساد غير قليل يضرب نظمها الاجتماعية والسياسية.
ومما يؤسف له انك ستجد فرسانا للكلمة يحدثونك عن جدوى التعليم الجيد بحماس شديد، ولكنك لن تجد من هذا الكلام على ارض الواقع شيئا يذكر، فهناك تعارض مخجل ومريض بين القول والفعل.
ومما يؤسف له ايضا أننا اسرفنا في الحديث عن تجارب دول صديقة مثل اليابان وكوريا وألمانيا وغيرها، في النهوض بالتعليم فيها بعد تعرضها لدمار حروب متوحشة، وكم من مسؤولين عرب عن التعليم زاروا مدارس متنوعة في هذه الدول، ولكننا حتى الآن لم نستخلص بعد مشروعاتنا القومية التي تنهض بالتعليم في المنطقة اقتباسا واسترشادا بهذه التجارب، لتخليص نظمنا الاجتماعية من النقائص السلوكية التي يتصدرها الإرهاب والتي أصبحت حديث العالم وسببا لمخاوفه، وإلى حد أن دولا صارت تسن في تعميم غير رشيد ولا حكيم ولا إنساني قوانين وضوابط تمنع على شعوب عربية أن يزور افراد منها هذه الدول. وعطفا على آفة التعليم السيئ ستجد ضعفا هائلا للثقة في أن يتمكن البحث العلمي العربي من ايجاد حلول لمشاكلنا، وفي الوقت ذاته ستجد انسحابا مروعا للثقافة والفنون من اهتمامات الناس، حتى إن مجلات ثقافية وأدبية اضطرت إلى الاحتجاب، لأن زمنا كزمننا خنق انفاسها، وحرمها أن تعيش حتى لو كانت بإصدار فقير ونحيف، وحتى إن صحفا عربية كانت تصدر ملاحق ادبية اضطرت إلى وقف وتجميد هذه الملاحق بعد انحسار جمهورها وضعف الاكتراث لها والاقبال عليها.
أمتنا، إذاً، تعيش محنة كبيرة، سبحان المنجي منها، والمجبر لكسورها والشافي من عللها.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي