كتاب وأراء

لا يشبهه أحد

تستطيع أن تمثل دور الطيب أو الكريم أو المحب.. تستطيع أن تتظاهر بكل الفضائل وقد ينطلي هذا التظاهر على أغلب الناس.. لكنك لا تستطيع أن تمثل دور الشجاع. ببساطة لأن الشجاعة هي الفضيلة الوحيدة التي لا يمكنك ادعاؤها كذبا. شجاعة الأقوال والأفعال.. في تاريخنا القديم قرأنا عن شجاعة سيدنا عمر بن الخطاب حين أعلن إسلامه جهارا.. وهاجر وطاف بالكعبة جهارا.. وفي دمشق منذ عهد بعيد ظهر رجل لا يشبهه أحد.. وقف من على منبر الجامع الأموي يندد بتصرف السلطان الصالح إسماعيل الذي سلم أعداء المسلمين بعض الحصون مقابل أن يحاربوا معه سلطان مصر الصالح أيوب، وكانت النتيجة أن عزل من الخطابة وسجن، ولما ثار الناس على سجنه أفرج عنه، ولم يجد الشيخ الجليل «العز بن عبد السلام» بدا من الرحيل إلى بيت المقدس، وصادف أن ذهب الصالح اسماعيل إلى هناك ليتفق مع امراء بيت المقدس أعداء المسلمين، فبعث رجلا يطلب من العز الاعتذار مقابل أن يصفح عنه وان يعيده لمنصبه، لكن العز رفض فكان أن سجن مرة اخرى في خيمة قريبة من خيمة السلطان، وحين استضاف اسماعيل الاعداء لإنهاء الاتفاق على قتال إخوة له في الإسلام، قال لهم: «هل تسمعون هذا الذي يقرأ القرآن؟ قالوا نعم، قال متفاخرا: «هذا هو أكبر علماء المسلمين.. سجناه لأنه اعترض على محالفتنا لكم واعطائكم بعض الحصون والقلاع مقابل قتال المصريين» فقال له أعداء الإسلام: «لو كان عندنا مثل هذا الرجل وبهذا الاخلاص وهذه الشجاعة لكنا نغسل رجليه، ونشرب من الماء الذي غسل فيه رجليه» ولم يتوقع الملك هذه الإجابة كما لم يتوقع الهزيمة التي لحقت به.. ومن ثم رحيل العز بعد سجنه للمرة الثانية إلى مصر.. وهناك استقبله نجم الدين أيوب أحسن استقبال وولاه منصب القضاء.. وكان معروفا عن هذا الملك انه بالرغم من عدله واستقامته الا انه كان مهابا ومرهوب الجانب، وكان من يدخل عليه لا يضمن خروجه سالما اذا ما أثار غضبه، واذا حكم على أحد بالسجن ينساه ولا يسمح لأحد بتذكره أو مراجعته فيه، وكان الوحيد الذي يناديه باسمه الأول «أيوب» هو العز بن عبد السلام اللاجئ في مملكته، والوحيد الذي كان يخبره بما يحدث من حوله دون أن ينمق الخبر أو يلف ويدور حوله، وبحكم منصبه ككبير القضاة أصر على أن يباع المماليك الذين كانوا يحكمون مصر واحدا تلو الآخر قبل أن يوثق لهم عقد زواج أو معاملة أو بيع وشراء.. فاشتكوه إلى السلطان وكان رده بما معناه أن العز يتدخل فيما لا يعنيه، وأغضب هذا الرد الرجل الشجاع فجمع متاعه القليل وخرج مع اهل بيته ناويا العودة إلى بلده، فسار الناس وراءه الرجال والنساء والشيوخ والأطفال... من جميع الفئات والأعمار.. العلماء والصالحون وحتى الطالحون.. وسار الموكب المهيب بصمت.. فتجرأ أحدهم على نقل ما يحدث للملك وقال له: «من سيبقى لتحكمه اذا خرج العز بن عبد السلام وخرجت الأمة كلها وراءه، بدون الناس ليس لديك مُلك» فلما سمع السلطان هذا الكلام خرج راكضا ليدرك العز ويسترضيه أمام الناس جميعا، ووافق العز على العودة مقابل أن يبيع المماليك، فقال له السلطان لك ما تريد.. افعل ما تشاء.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري