كتاب وأراء

ما رأيتها قط.. لكن «شفتها»!

ما رأيتها قط، لكنها حين تحدثت لوكالة رويترز قبل سنتين، شفتها.. وقديما قيل تكلم حتى أراك.
يابسة من لحم الدنيا، ومنهكة.. بسيطة كأول يوم في المعايش.. طيبة، مثل العشاء من ضرع البهائم.
قالت إنها فاطمة، ولم تزد. لمعسكرات الفرار المرعوب من اللظى، أذان طويلة، وألسنة وشّاية، وما أكثر الذين كان مصيرهم بائسا جدا، حين تتحرك ألسنة الخيام المتربة بالوشاية لأذان الجنود، الذين لا يريدون لأي لاجئ أن يفتح فمه للمراسلين، خاصة الأجانب. لم تزد، وكانت قد تلفتت.. وراحت تكثر من التلفت، وهي تحكي عن حلمها البسيط.. حلمها الذي لم يعد بسيطا، في زمان الرصاص الذي يعوي، وزمان التلفت والحكي عن الأحلام بصوت خفيض.. زمان أن تقول اسمك فقط غير متبوع باسم أبيك، للتعمية،، فما أكثر الفواطم ذوات الأحلام البسيطة، في معسكرات الفرار من الموت! أحلم أن أزور قبر زوجي، وقبر ابني، في قريتي؟ أي قرية يا فاطمة.
تلفتت، ولم تزد.. لو زادت، لكانوا قد أتوا بكل فاطمات القرية اللائي هن الآن مجرد أرقام في المخيّم البائس، ولكانت قد ضاعت منهن واحدة- أو لكانت قد ضاعت فواطم!
أتحدث عن فاطمة، ولا أدري ما إذا كانت لا تزال حية تتلفت، في المخيم البائس، في أحد مخيمات دارفور، أم تيبست بردا، أو جفت حرا، أو تسممت بالطحين المسوس، أو بواحدة من علب السردين المنتفخة، أم قتلها الحلم البسيط، المستحيل.
لا من قرية- قريتك - يا فاطمة- وليس هنالك من قبر. في الحروب، هنالك قبر واحد للجندي المجهول.. ولا قبور للأزواج، ولا قبور للأبناء، على الإطلاق!
مسح مراسل رويتر دمعة، وهو يتلفت أيضا. همست فيه فاطمة وهي تنهنه برعشة البكاء: لا تبك يا ولدي!
يا ولدي؟
رنت نهنهة فاطمة في كيان المراسل كله. لو كان يستطيع التبسّم، لكان قد تبسّم غبطة، وهو قد استحال إلى ولد لها، في زمان الولد الذي أصبح مجرد جثة، في قبر منسي، لا شاهد عليه، في قرية لم تعد موجودة على الإطلاق، إلا.. إلا في خيال أم لا تزال تحلم، حلما بسيطا جدا، لكنه صعب المنال!
- لا تبك ياولدي، لا..
المراسل، لا يزال في مكان ما، في هذه الدنيا، يبكي من وقت لآخر، كلما تذكر فاطمة.. فاطمة صاحبة الحلم البسيط. يختنق بالبكاء، وهو يقول من بين غضتين: فاطمة، يا أمي، ليتك تعلمين أن الأحلام البسيطة تقتل قتلا، في زمن الحروب، مثل الزوج والابن والزوجة والجد والجدة.. مثل الجارة- جارتك- التي كانت تُصبّحك بالخير.. وبالخير تُمسيك!
ترى أين أنت الآن يا فاطمة.. يا أمي؟

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار