+ A
A -
كأن كل ما فعله دونالد ترامب من خلال الضربة الصاروخية الاستعراضية التي وجهها لقاعدة الشعيرات العسكرية الجوية في سوريا هو إعطاء الضوء الأخضر للاحتلال الروسي وقوات النظام بأن تمارس أقصى درجات التوحش والقصف للمدنيين السوريين في المناطق التي لا تخضع لسيطرة النظام، وهذا ما حدث بالفعل، ففي الوقت الذي كان يهلل فيه الإعلام الغربي والعربي للضربة العسكرية الأميركية كانت الطائرات العسكرية الروسية والتابعة للنظام تمارس القصف لمناطق المدنيين فتدمر الأخضر واليابس وتسقط عشرات منهم ما بين قتلى وجرحى، وإذا كان ترامب قد اعترض على استخدام الغاز السام في قصف «خان شيخون» فقد استخدم الروس هذه المرة القنابل العنقودية وقنابل النابلم وكليهما من الأسلحة المحرمة دولياً لكنها لم تدخل في دائرة التجريم الأميركية التي اقتصرت على الأسلحة الكيماوية.
كما أن الخسائر الهزيلة للضربة العسكرية الأميركية تظهر أن سيناريو الضربة كان مرتباً بعناية بين الأميركان والروس الذين أبلغوا بدورهم السوريين وتم إخلاء القاعدة سواء من الطائرات القاذفة أو الجنود الذين لم يقتل منهم إلا ستة كما أن الطائرات التي قيل إنها أعطبت ربما كانت كلها معطبة أصلاً ولا تطير أو بها أعطال.
وما يؤكد تكشف فصول هذه المسرحية يوماً بعد يوم ادعاء الروس أنهم يملكون ترسانة مميزة سواء من الأسلحة الاعتراضية التي كان يمكن أن تعترض توماهوك أو غيرها لكنهم لم يستخدموها واكتفوا بالإعلان أن قواعد عسكرية أخرى محصنة بصواريخ إس 300 وإس 400 ثم الإعلان عن عودة الفرقاطة الروسية «الأميرال غريغوروفتش» المزودة بصواريخ مجنحة تشبه صواريخ «توما هوك» للبحر المتوسط، وإعلانها كذلك تعليق التنسيق الحربي مع القوات الأميركية في الأجواء والأراضي السورية وهذه قمة المهزلة فيما حدث، فكل ما يجري على الأراضي السورية من جرائم يجري بترتيب أميركي روسي جعل كثيرا من السذج يتغاضون عن هذه الحقائق ويسهبون في المديح للضربة الصاروخية الأميركية متناسين وجود قوات أميركية على الأراضي السورية وكذلك تنسيق كامل فيما يتعلق بتحليق الطائرات في الأجواء.
لو كانت هناك رغبة حقيقية أميركية أو عالمية في وقف جرائم الروس والنظام والإيرانيين والمليشيات الشيعية ضد الشعب السوري لجرت خطوات كثيرة أقلها وأبسطها منطقة حظر جوي آمنة للمدنيين، لكن كل ما جرى باختصار هو عودة وتيرة الجرائم بشكل أبشع مما كانت عليه وكأن ترامب أعطى هؤلاء المجرمين جميعاً ترخيصاً مفتوحاً للقتل بأي سلاح آخر غير السلام الكيماوي، وهذا ما يجري على الأرض بالفعل فكما قالت إدارة أوباما إنهم سوف يتعاملون مع الأسد كأمر واقع فإنهم كذلك سوف يتعاملون مع كل التغيرات الجغرافية والديمغرافية التي تجري على الأرض كأمر واقع ولكن بعد أن يكمل الروس والنظام والإيرانيون والمليشيات جرائمهم ويعيدوا تشكيل خريطة سوريا وفق مخططهم الطائفي العفن، لذلك ستتواصل الجرائم حتى تكتمل الخرائط حينها يمكن أن يتم وقف إطلاق النار وفرض الأمر الواقع على الجميع.

بقلم : أحمد منصور
copy short url   نسخ
10/04/2017
50960